بلاك كات 24 : الولايات المتحدة _ في الذاكرة الأمريكية، لا تحلّق أميليا إيرهارت كطيّارة فحسب، بل كشبحٍ أثيري، رمزٌ للشجاعة التي ابتلعها المجهول. منذ اختفائها الغامض فوق مياه المحيط الهادئ الشاسعة عام 1937، تحولت من مجرد أميليا إيرهارت، رائدة طيران إلى قماش خصب نسجت عليه هوليوود أحلامها، وكتب الخيال العلمي فصوله، وبنى المؤرخون وظائفهم. إنها الأسطورة الأمريكية الخالدة: قصة الطموح الذي لا يعرف حدودًا، والذي انتهى بعلامة استفهام بحجم محيط.

واليوم، في حركة مسرحية تليق به، أعلن الرئيس دونالد ترامب في 26 سبتمبر 2025 عبر منصة “تروث سوشيال” أنه أمر إدارته برفع السرية عن جميع السجلات الحكومية المتعلقة برحلتها الأخيرة، مشيرًا إلى أن قصتها “أسرت ملايين” وأنه تلقى طلبات عديدة لكشف التفاصيل. هذا القرار يعيد إلى الأذهان خطوته المشابهة في 2017، عندما أمر برفع السرية عن آلاف الوثائق المتعلقة باغتيال الرئيس جون كينيدي عام 1963، وهو لغز آخر أثار هوس أمريكا بنظريات المؤامرة. لكن، كما مع أميليا إيرهارت، لم يكن الهدف هو الحقيقة النهائية بقدر ما كان استدعاءً للغز تاريخي إلى قلب المشهد الإعلامي الصاخب. فجأة، لم تعد أميليا مجرد أيقونة نسوية أو لغز تاريخي؛ لقد أصبحت أحدث فصول الدراما السياسية الأمريكية، فصلاً يُستخدم لتغذية هوس أمريكا بنظريات المؤامرة وإعادة كتابة التاريخ، ولو كأداة لتحقيق مكاسب سياسية عابرة. وكما فعل مع ملفات كينيدي، يبدو ترامب هنا يستغل لغز أميليا إيرهارت لصرف الانتباه عن قضايا ملحة مثل ملفات إبستين، التي طالبت الجماهير بكشفها منذ حملته الانتخابية في 2024، لكنه يختار الآن إثارة لغز يعود لـ88 عامًا. هذا التحويل ليس بريئًا؛ إنه يعكس نهج ترامب في تحويل الأسرار التاريخية إلى أدوات إعلامية، مما يجعله بطلًا في عيون مؤيديه الذين يرونه “مُفكك الأسرار”، ومُحركًا للشكوك في عيون الآخرين الذين يرونه يلعب لعبة الإلهاء السياسي.

هوليوود وصناعة الأيقونة: بين التمجيد والتبسيط
كانت السينما هي الورشة الرئيسية التي صُقلت فيها أسطورة إيرهارت. ففي فيلم “Amelia” (2009)، قدمت ميرا ناير وهيلاري سوانك صورة أنيقة ومُبجّلة، لكنها مصقولة بعناية، تجسد الشجاعة دون الخوض في التعقيدات والحدة التي تطلّبها عالم الطيران الذكوري في تلك الحقبة. لقد كان الفيلم بمثابة مرثية بصرية جميلة، لكنه اختار الأمان على المواجهة، تاركًا اللغز سليمًا ومُرضيًا للجميع، تمامًا كما فعلت هوليوود مع قصة كينيدي، حيث تحولت حياته وموته إلى روايات سينمائية مثل “JFK” (1991) لأوليفر ستون، التي غذت الخيال الشعبي أكثر من كشف الحقائق.

لكن الرحلة بدأت قبل ذلك بكثير. ففيلم “Flight for Freedom” (1943)، الذي صدر في خضم الحرب العالمية الثانية، لم يكن سيرة ذاتية بقدر ما كان أداة دعائية، حوّل أميليا إيرهارت (لعبت دورها روزاليند راسل) إلى جاسوسة أسطورية تضحي بنفسها من أجل بلدها. هنا، نرى جوهر الاستخدام الأمريكي لأيقوناتها: تجريدهم من إنسانيتهم المعقدة وتحويلهم إلى رموز وطنية نقية تخدم اللحظة، سواء كانت حربًا أو حملة انتخابية. حتى السيرة التلفزيونية “Amelia Earhart: The Final Flight” (1994)، رغم الأداء القوي لديان كيتون، ركزت على الدراما الإنسانية لرحلتها الأخيرة، متجنبة الأسئلة الأكثر إزعاجًا حول التمويل، والضغوط، والأخطاء المحتملة، كأنها تذكير بأن الأسطورة الأمريكية تفضل الجمال على الحقيقة الخام.

من حدود السماء إلى أقاصي الخيال
عندما تعجز الحقائق عن تقديم إجابات، يتدخل الخيال ليملأ الفراغ. وهذا ما حدث مع أميليا إيرهارت، التي تجاوزت حدود كوكبها. في حلقة “The 37’s” (1995) من مسلسل “Star Trek: Voyager”، لم تمت أميليا، بل تم اختطافها من قبل كائنات فضائية لتستيقظ في القرن الرابع والعشرين. هذا التصور ليس مجرد خيال علمي، بل تجسيد للرغبة الأمريكية في أن تكون قصص أبطالها بلا نهاية، كما رأينا مع كينيدي، حيث تستمر نظريات المؤامرة في إبقائه حيًا في الخيال الشعبي كضحية مؤامرة لا تُحل. أميليا إيرهارت، مثل كينيدي، أصبحت رمزًا لتلك الأمة التي ترفض الاستسلام أمام الفراغ، سواء كان محيطًا أو غموضًا سياسيًا.

على النقيض، يقدم فيلم “Night at the Museum: Battle of the Smithsonian” (2009) نسخة كوميدية ومبسطة، حيث جسدتها إيمي آدامز كشخصية مغامِرة، مرحة، ومفعمة بالحياة. هذا الترويض للأيقونة يذكرنا بكيف تُحول أمريكا رموزها إلى منتجات ترفيهية، تمامًا كما حدث مع صورة كينيدي الشابة المثالية التي تُباع كرمز للأمل، بعيدًا عن تعقيدات حياته السياسية.

لعبة الكشف عن الحقيقة: حين يصبح التاريخ سلعة
لطالما كان البحث عن حطام طائرة إيرهارت هوسًا أمريكيًا، مثل الهوس بكشف “الحقيقة” وراء اغتيال كينيدي. رحلات استكشافية بملايين الدولارات، مثل تلك التي قادها الدكتور روبرت بالارد في “Expedition Amelia” (2019)، تحاول انتزاع الحقيقة من أعماق المحيط. لكن قرار ترامب الأخير، كما مع ملفات كينيدي، لا ينتمي إلى هذا البحث العلمي النبيل. إنه ينتمي إلى عالم تلفزيون الواقع، حيث لا تهم الحقيقة بقدر “لحظة الكشف” الدرامية، مدعومة هنا بطلب من ممثلة الجزر الشمالية ماريانا، كيمبرلين كينغ-هيندز، التي أشارت إلى شهادات محلية عن رؤية أميليا إيرهارت في سايبان.

بفتحه لهذه الملفات، لا يقدم ترامب خدمة للتاريخ، بل يقوم بمسرحته، كما فعل مع كينيدي. إنه يغذي آلة الإعلام التي تتوق للجدل، ويحول لغزًا عمره 88 عامًا إلى مادة تتصدر العناوين، تطغى على قضايا مثل الاقتصاد أو النزاعات الدولية. السؤال ليس “ماذا يوجد في الملفات؟” – التي قد تكون تقارير بحرية تؤكد الغرق، كما في تقرير البحرية الأمريكية – بل “لماذا الآن؟”. الإجابة تكمن في السياسة الأمريكية الحديثة: التاريخ ترسانة روايات تُعاد توظيفها، خاصة في عصر ترامب حيث يصبح كل إعلان عرضًا مسرحيًا يعزز صورته كـ”مُفكك الأسرار”.
أيقونة ترفض الهبوط
في النهاية، قد لا تكشف سجلات أميليا إيرهارت، مثل ملفات كينيدي، شيئًا جديدًا، لكن المهم هو استدعاؤها للمسرح الأمريكي. إنها مرآة تعكس أمريكا: طموحها، هوسها بالأبطال، وتحويل التاريخ إلى سلعة سياسية. تحلق إيرهارت في سماء الخيال والإعلام والسياسة الأمريكية، وفي 27 سبتمبر 2025، بتوقيت القاهرة يبدو واضحًا أن هذه الأيقونة، مثل كينيدي، لن تهبط أبدًا، بينما تستمر أمريكا في مطاردتها، بحثًا عن نفسها في السماء.


