بلاك كات 24 : خيخون، إسبانيا _ تواصل عدسة “بلاك كات 24” الغوص في أعماق مهرجان خيخون السينمائي (FICX). ففي عروض القسم الرسمي (Albar) ليوم الأحد 16 نوفمبر، جاءت واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل الفكري، فيلم “ما تعرفه مارييل” (What Marielle Knows)وهو نموذج لافت عن الكوميديا الألمانية الجديدة. للمخرج فريدريك هامباليك. فماذا لو كانت واجهة حياتك المثالية على وشك الانهيار بسبب أكثر الأشياء براءة… عقل ابنتك؟
الفيلم هو تشريح اجتماعي ذكي، يطرح أسئلة وجودية عن الخصوصية والنفاق الأسري، مغلفاً إياها بلمسة من الخيال العلمي. فهل نحن أمام مجرد كوميديا سوداء، أم أننا نشهد ملامح الكوميديا الألمانية الجديدة التي تتغذى على القلق المعاصر؟

الطفلة كـ “جهاز مراقبة”
يبني هامباليك فيلمه على فرضية مرعبة: زوجان (جوليا وتوبياس) يعيشان حياة مثالية، لكن هذا التوازن الهش ينهار حين تطور ابنتهما “مارييل” فجأة قدرات تخاطرية. فماذا يحدث حين تتحول البراءة إلى “كابوس”؟ الطفلة أصبحت قادرة على سماع أفكار والديها، مما يفجر كل الأكاذيب والأسرار المدفونة تحت واجهة الكمال. أوضح هامباليك أن فيلمه، الذي ينتمي لـ الكوميديا الألمانية الجديدة، ينقل النقاش حول الخصوصية من عدو خارجي (الحكومات والشركات) إلى عدو داخلي حميم: “الأسرة”. هذا التحول السردي يدفع الزوجين إلى لعبة تلاعب متصاعدة، تقودهم إلى مواقف “سخيفة وغير مريحة على نحو متزايد”.

أوضح هامباليك أن فيلمه ينقل النقاش حول الخصوصية من عدو خارجي (الحكومات والشركات) إلى عدو داخلي حميم: “الأسرة”. هذا التحول السردي يدفع الزوجين إلى لعبة تلاعب متصاعدة، تقودهم إلى مواقف “سخيفة وغير مريحة على نحو متزايد”.
نفاق الكبار وصدق الصغار
يطرح الفيلم مفارقة تمثل ربما جوهر الكوميديا الألمانية الجديدة: “يُطلب من الأطفال دائماً أن يكونوا صادقين”، بينما هم يشاهدون يومياً كيف يكذب آباؤهم على أنفسهم وعلى بعضهم البعض. هذه “الصراحة القسرية” التي تفرضها مارييل، تحولها إلى “صندوق أسود” يمشي في المنزل. فهل يمكن للعاطفة أن تنمو في بيئة مراقبة؟ يشير المخرج إلى أن الملاذ الوحيد هو الجدة، حيث العلاقة “أقل تعقيداً”، وبعيدة عن تلاعب النواة الأسرية المباشرة.

ضحك أجنبي وصمت ألماني
لكن، كيف تُستقبل الكوميديا الألمانية الجديدة؟ كشف هامباليك عن مفاجأة استقبل بها فيلمه: “لقد فاجأتني ردود الفعل الكوميدية والضحك العالي في برلين. قلت لنفسي: بالتأكيد لا يوجد الكثير من الألمان في هذه القاعة”. وأوضح أن العروض في ألمانيا كانت تُقابل بـ “صمت وهدوء أكثر”. فهل هذا يعني أن الفكاهة الألمانية يجب أن تكون مؤلمة لتُفهم؟ دافع هامباليك عن هذا التناقض، مؤكداً أنه يحب خلق تجربة غامضة لا يمكن تصنيفها بسهولة ككوميديا أو دراما.
هل نحتاج الكذب لنعيش؟
في الختام، يضعنا الفيلم أمام سؤاله الفلسفي الأهم: هل الصدق المطلق فضيلة، أم أنه مدمر بالضرورة؟ وهل “الأكاذيب البيضاء” ضرورية لبقاء العلاقات الاجتماعية؟ أكد هامباليك أن فيلمه ضمن الكوميديا الألمانية الجديدة لا يتعلق فقط بالمجاملات، بل بـ “ضرورة وجود مساحة حميمة وخاصة” للتحرر من الضغوط. وقال: “الصدق التام مثير للاهتمام، والفيلم يُظهر نتائج الشفافية الكاملة. لكني لا أقدم إجابة. ما يهمني هو طرح السؤال”.

أكد هامباليك أن الأمر لا يتعلق فقط بالمجاملات، بل بـ “ضرورة وجود مساحة حميمة وخاصة” للتحرر من الضغوط. وقال: “الصدق التام مثير للاهتمام، والفيلم يُظهر نتائج الشفافية الكاملة. لكني لا أقدم إجابة. ما يهمني هو طرح السؤال”.
أنهى المخرج الألماني حديثه بالكشف عن أنه يعمل بالفعل على مشروعه القادم (2027)، ليواصل مسيرته. إن مهرجان خيخون السينمائي يثبت مجدداً أنه ساحة لطرح الأسئلة الصعبة، حتى لو كانت مغلفة بضحك غير مريح، وهو تماماً ما يجب أن تفعله الكوميديا الألمانية الجديدة. وتغطيتنا من “بلاك كات 24” مستمرة.


