من لمسات الرحمة بدار المسنين إلى وهج المجد العالمي.. كيف جعلت المخرجة Yrsa Roca Fannberg من الوداع الأخير أعظم احتفاء بجمال الروح البشرية؟
آيسلندا – حاورها لـ “بلاك كات 24”: أحمد قرمد
في فضاءات السينما الوثائقية التي لا تكتفي بملامسة القشور، بل تغوص عميقاً في مسام الروح البشرية، تتجلى المخرجة Yrsa Roca Fannberg كأيقونة استثنائية للإنسانية والجمال البصري؛ فهي ليست مجرد صانعة أفلام عابرة، بل هي “حارسة للأرواح” التي كادت أن تذروها رياح النسيان في زحام الحياة العصرية الصاخب. ومن خلال تحفتها السينمائية الملحمية “الأرض تحت أقدامنا” (The Ground Beneath Our Feet)، استطاعت المخرجة Yrsa Roca Fannberg أن تُحول دار “Grund” للمسنين في ريكيافيك من مجرد ردهات طبية باردة إلى قصيدة بصرية تنبض بالحياة، معيدةً الاعتبار لتجاعيد الوجوه وعروق الأيدي المرتجفة التي صُورت كأنها تضاريس جبلية صامدة في وجه الزمن. إن تجربة المخرجة Yrsa Roca Fannberg الفريدة، التي انصهرت فيها خلفيتها الفنية التشكيلية مع سنوات عملها كمقدمة رعاية صحية في الدار، منحتها “رؤيةً من القلب” لا يمتلكها إلا من لمس الدفء في أرواح هؤلاء الكبار الذين يفيضون وقاراً وحكمة وتاريخاً، محولةً الصمت المهيب إلى صرخة فنية تحتفي بقدسية الوجود الإنساني.

عبر شريط “الأنالوج” الدافئ، تغزل المخرجة Yrsa Roca Fannberg خيوط الحنين والكرامة، لتؤكد لنا أن الشيخوخة ليست خريفاً للروح، بل هي نضجٌ واكتمالٌ يستحق الاحتفاء لا الشفقة. ومع حصول فيلمها على الجائزة الكبرى من مهرجان DMZ الدولي للأفلام الوثائقية وتتويجه بـ “سعفة مهرجان ترومسو السينمائي الدولي” المرموقة لعام 2026، بالإضافة إلى جولاته الظافرة في “CPH:DOX” وخيخون وزيورخ، أثبتت المخرجة Yrsa Roca Fannberg أن لغة الحنان هي اللغة الوحيدة القادرة على اختراق الحدود الجغرافية لتمس “العصب الإنساني” المشترك بيننا جميعاً. وفي موقع “بلاك كات 24″، كان لنا هذا الحوار الاستثنائي مع المخرجة Yrsa Roca Fannberg، لنستكشف معها كيف أصبح الفن وسيلةً لإضاءة الزوايا المعتمة في مجتمعاتنا، وكيف يمكن لعدسة الكاميرا أن تكون أداةً للرحمة والخلود.

من عوالم الصمت التي بعثتِ فيها الحياة برؤيتكِ الشاعرية، يسرنا في موقع “بلاك كات 24”أن نبدأ هذا الإبحار الإنساني معكِ. المخرجة Yrsa Roca Fannberg، الفنانة التي لا تلتقط الصور فحسب، بل تحتضن الأرواح بوقار عدستها؛ يسعدنا بعمق أن نرافقكِ اليوم في رحلة وجدانية نستكشف خلالها كيف يولد الضوء من ثنايا الزمن، وكيف يصبح الصمت في حضرتكِ أعظم قصيدة عن الوجود. نحن هنا لننصت لنبض رؤيتكِ التي جعلت من السينما ملاذاً للرحمة، ووطناً يسع القلوب التي أرهقتها رحلة الحياة.

سألنا المخرجة Yrsa Roca Fannberg في بداية هذا الحوار الإنساني عن جذورها الممتدة عبر القارات: “لقد وُلِدتِ في آيسلندا، ونشأتِ في السويد، مع إرث كاتالوني وتكوين فني في لندن؛ كيف شكل هذا النسيج الثقافي المتعدد والمتشابك صوتكِ السينمائي، وكيف انعكس على استكشافكِ لمفاهيم الهوية والمكان والروابط الإنسانية في أعمالكِ؟”
في مطلع حديثها الشائق، توقفت المخرجة Yrsa Roca Fannberg ملياً أمام تعقيدات الهوية قائلة: “هذا سؤال يمثل تحدياً كبيراً في الإجابة عليه؛ فأنا أرى أنه بطريقة ما، عند عودتي إلى آيسلندا في عام 2014، كان المكان يبدو غريباً بالنسبة لي، وكان عليّ أن أعيد اكتشاف مسقط رأسي من جديد. كان الأمر أشبه بمنزل تشعر أنه منزلك، لكنه في الوقت ذاته مختلف ولا يمنحك شعوراً بالانتماء الكامل. لقد أدركت أيضاً أن رؤيتي الفنية ‘سويدية’ تماماً، كما قضيت فترات طويلة من حياتي في كاتالونيا؛ ورغم أنني لست متأكدة تماماً إلى أي مدى أشعر بكوني كاتالونية، إلا أنني أشعر بانتماء وجداني شديد لتلك الثقافة. أنا واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين لا يملكون لغة أماً واحدة، بل أتحدث اللغات وكأنني عشت في تلك البلاد طوال حياتي، لذا فإن أحلامي وأفكاري تعتمد بشكل كبير على المكان الذي ترتبط به تلك الأفكار”.

وبالانتقال من عوالم الفنون الجميلة والتصوير الفوتوغرافي التناظري (Analogue) إلى فضاء الوثائقي الإبداعي؛ ما هي اللحظات الحاسمة التي وجهت المخرجة Yrsa Roca Fannberg نحو هذا المسار؟ وكيف تنجح جذوركِ في الفنون البصرية حتى اليوم في إضفاء تلك الحساسية الشاعرية الخاصة على أفلامكِ؟
وحول هذا التحول الفني الجوهري، تسترسل المخرجة Yrsa Roca Fannberg في ذكرياتها قائلة: “لقد جئتُ إلى عالم السينما في وقت متأخر نوعاً ما، فلم أبدأ بمشاهدة الأفلام بانتظام إلا في سنتي الثانية بصفوف كلية تشيلسي للفنون؛ أتذكر حينها أنني لم أشعر بالحاجة للخروج إلى العالم الخارجي، فقد كنت غارقة تماماً في استكشاف العوالم الكامنة داخل تلك الأفلام. بالنسبة لي، الإنسان كائن مذهل، ومثير للرهبة أحياناً، لكنني أجد في العلاقات الإنسانية سحراً لا يُقاوم، وهو الشغف الذي يغمر كل أعمالي؛ أي كيف ينظر الإنسان إلى هذا الكون من حوله. في بداياتي الفنية، كنت أتعامل مع العائلة، الحكايات اليومية، وتلك الأشياء الصغيرة والجميلة التي تمنح الحياة معناها، حتى سألني صديق ذات مرة: ‘لماذا لا تصنعين أفلاماً وثائقية؟’. لم يخطر ببالي الأمر حينها، فأنا لم أشعر يوماً بالانتماء الكامل لأجواء صالات العرض الفنية، رغم عشقي العميق لفعل الخلق الفني نفسه. لم يتغير كل ذلك إلا عندما شاهدت أعمال المخرج هاروتيون خاتشاتريان؛ هنا أدركتُ يقيناً أنني أريد تكريس حياتي للسينما الوثائقية، والتحقتُ بعدها بدراسة الماجستير في الوثائقي الإبداعي بجامعة بومبيو فابرا في برشلونة، وهي التجربة التي فتحت عينيّ على آفاق الوثائقي وما يمكن أن يكون عليه، وكيفية صياغة لغتي السينمائية الخاصة. وحتى اليوم، لا تزال الكاميرا التناظرية رفيقتي الدائمة، حيث ألتقط الكثير من الصور الفوتوغرافية التي تساعدني على تعزيز رؤيتي وشحذ إدراكي البصري؛ أي كيف تنظر أنت، كسينمائي أو كفنان، إلى جوهر هذا العالم”.

لقد كانت سنوات عملكِ كمقدمة رعاية في دار “Grund” – أقدم دور المسنين في آيسلندا – فرصةً لمنحكِ قرباً وجدانياً نادراً من سكانها؛ فكيف أعادت هذه التجربة الإنسانية المباشرة صياغة نظرة المخرجة Yrsa Roca Fannberg لمفاهيم الشيخوخة والكرامة، وتلك المعجزات الصغيرة التي تتخفى في تفاصيل الوجود اليومي؟
تتحدث المخرجة Yrsa Roca Fannberg عن هذه التجربة العميقة التي مست روحها قائلة: “أعتقد أن كل تلك السنوات منحتني منظوراً فريداً حول وقار الكبر، وكيف أننا جميعاً نرغب في أن نغادر هذه الأرض بتجربة يملؤها الاحترام والقيمة. إذا توقفت قليلاً، وأنصتَّ وشاهدتَ بعناية، ستكتشف كل تلك اللحظات البديعة التي قد يمتزج فيها الحزن بالجمال بشكل مدهش. في مجتمعاتنا المعاصرة ذات الوتيرة المتسارعة، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمدى إنتاجيته، يمكنك أن تجد غايةً ومعنىً عميقين في مجرد ‘الوجود’.. أن تكون حياً وكفى. أحياناً، لا يتطلب الأمر كلمات، بل يكفي أن تنصت لإنسان آخر بصدق. ومثل كل مراحل الحياة، تذخر هذه المرحلة بتفاصيل غنية جداً لا تحتاج إلى تفسير، بل تحتاج فقط لمن يسلط الضوء عليها ليراها العالم؛ لقد منحتني تلك التجربة فهماً أعمق لدورة الحياة، فالموت في سن متقدمة هو عملية طبيعية وسامية، تختلف تماماً عن رحيل من لم يستكملوا رحلتهم؛ ففي تلك الدار، تذبل الحياة ببطء وهدوء وسكينة”.

في فيلمكِ الاستثنائي “الأرض تحت أقدامنا” (The Ground Beneath Our Feet)، اخترتِ ألا ترافقي السكان كمجرد موضوعات لعدسة الكاميرا، بل كأبطال متألقين في ملحمة إنسانية خاصة؛ فكيف وجهت الاعتبارات الأخلاقية والوجدانية المخرجة Yrsa Roca Fannberg لتكريم هذه القصص عند منعطفات العمر الرقيقة بكل هذا النبل؟
وعن علاقتها الوجدانية العميقة بأبطال العمل، تفتح المخرجة Yrsa Roca Fannberg قلبها لقراء “بلاك كات 24” قائلة: “دار ‘Grund’ ليست مجرد مؤسسة، بل هي فضاء كبير للحياة، وأعتقد أن الدافع الأساسي الذي قادني هو أنني كنت أرعاهم في الواقع قبل أن أصورهم؛ لذا نبتت بيننا صداقة حميمة وثقة حقيقية نمت وازدهرت خارج إطار الكاميرا. إن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالثقة؛ الثقة في النفس، وفي الفريق المساعد، وبأنك تتعامل مع هؤلاء البشر بمنتهى التقدير والاحترام الذي يستحقونه. لقد كنتُ أتحدث كثيراً عن الفيلم مع السكان، وعن وقار الكبر، وعن هذا الوقت من الحياة الذي غالباً ما نتجنب الحديث عنه أو لا نكون مستعدين لمواجهته. وصديقتي العزيزة ‘ديزي’ – تلك السيدة الرقيقة التي تظهر في الفيلم وهي تضع أحمر الشفاه بكل كبرياء – قالت لي جملة ستظل محفورة في وجداني: ‘لم أرغب أبداً في أن أصل إلى هذا العمر، لكنني الآن أدرك أنني ما كنت لأرغب في تفويت هذه التجربة المذهلة أبداً'”.

حين يلامس العمل السينمائي جوهر الصدق، فإنه يتجاوز حدود الجغرافيا ليصبح ملكاً للإنسانية جمعاء؛ ومع فوز فيلم “الأرض تحت أقدامنا” بـ “الجائزة الكبرى في مهرجان DMZ الدولي للأفلام الوثائقية” (Grand Prize)، وحصوله على “سعفة ترومسو السينمائي الدولي ” المرموقة لعام 2026، وجولاته العالمية المظفرة؛ كيف عمّقت هذه الرحلة والتقدير الدولي صدى الفيلم لدى الجماهير؟ وماذا كشفت لكِ عن “الإنسانية المشتركة” في هذه البورتريهات التي رسمتِها بحب؟
تختتم المخرجة Yrsa Roca Fannberg حديثها بتأثر واضح يعكس عمق التجربة قائلة: “لقد كانت ردود فعل الجمهور مذهلة حقاً، وكنت محظوظة بمتابعة الفيلم في العديد من الأماكن؛ فقد وجدت الجمهور متفاعلاً للغاية، وأنا في غاية السعادة لأن الفيلم لمس القلوب في جميع أنحاء العالم. يبدو أن هذا العمل يلمس ‘عصباً إنسانياً’ يربطنا جميعاً، وربما كانت مفاجأتي الأكبر هي كيفية تواصله القوي مع الجمهور الأصغر سناً. إن أملي الكبير هو أن يثير الفيلم تساؤلات حول طبيعة الظروف التي نخلقها للبشر وهم يستعدون لمغادرة هذا العالم، ولإظهار هذا الكون الكامن داخل مؤسسات المسنين، والذي هو في حقيقته ‘منزل’ دافئ؛ ففي هذا العالم المظلم والمستقطب، تبرز أهمية أن نلمِس ونُلمَس بكل ود وحنان”.

بينما نطوي صفحات هذا الحوار الاستثنائي مع المخرجة Yrsa Roca Fannberg، نجد أنفسنا أمام حقيقة ناصعة؛ وهي أن السينما في أرقى صورها ليست مجرد أداة للترفيه، بل هي “فعلُ إيمان” بقدرة الإنسان على الحفاظ على كرامته وتوهج روحه حتى اللحظات الأخيرة. لقد أثبتت لنا المخرجة Yrsa Roca Fannberg أن “الأرض تحت أقدامنا” ليست مجرد تراب نمشي عليه، بل هي تاريخٌ حي مكتوبٌ على الجلد، وأغنياتٌ شجية تُدندن في ممرات الصمت، وحكاياتٌ وقورة كانت تنتظر قلباً مخلصاً يخلدها بوفاء.
من خلال عينها الشاعرية وقلبها الذي نبض بين غرف دار “Grund”، أعادت المخرجة Yrsa Roca Fannberg تعريف مفهوم “البطولة” في السينما؛ فالبطل هنا ليس من يملك القوة، بل من يملك السكينة والقدرة على منح الحب في أوج الهشاشة. لقد جعلت من اللمسة الواهنة قوةً تهز الضمير العالمي، ومن نظرات كبار السن لغةً أبلغ من كل الكلام.

إن رسالة المخرجة Yrsa Roca Fannberg التي نختتم بها هذا اللقاء هي دعوة مفتوحة لنا جميعاً لنتوقف قليلاً عن الركض، وننصت بقلوبنا لهؤلاء الحكماء الذين سبقونا في رحلة الوجود؛ لنكتشف أن الجمال الحقيقي يكمن في مجرد “أن نكون”. شكراً لـ المخرجة Yrsa Roca Fannberg التي علمتنا أن نحب تجاعيد وجوهنا لأنها خرائط لسنواتنا، وأن نحترم دورة الحياة لأنها المصب الطبيعي لنهر الوجود العظيم. وفي موقع “بلاك كات 24″، نعدكم بأن نظل دائماً نافذةً تطل على مثل هذه النماذج الملهمة التي تجعل عالمنا مكاناً أكثر حناناً ورحمة.
لمزيد من الإبحار في عالم المخرجة Yrsa Roca Fannberg: فيلم “الأرض تحت أقدامنا”.. رؤية إنسانية من قلب مهرجان خيخون السينمائي الدولي.


