كيف يبرز الهانبوك في مهرجان جونجو كجسر ثقافي بين الماضي والحاضر
بلاك كات 24 : كوريا الجنوبية، جونجو _مع انطلاق الدورة السابعة والعشرين من مهرجان جونجو السينمائي الدولي في التاسع والعشرين من شهر أبريل لعام 2026، واستمراره حتى الثامن من مايو لعام 2026. تحت شعار تجاوز الإطار، يرصد موقع بلاك كات 24 من قلب الحدث كيف تتحول المدينة الكورية الجنوبية إلى منصة حية للحوار بين الفن السابع والتراث الثقافي. وفي قلب هذه الفعالية الدولية التي تعرض مائتين وسبعة وثلاثين فيلما من أربع وخمسين دولة، يبرز الهانبوك في مهرجان جونجو كرمز حيوي يتجاوز مجرد الزي التقليدي ليصبح عنصرا أصيلا في تجربة الزوار والمبدعين على حد سواء، حيث تلتقي السينما المستقلة بالهوية الكورية العميقة في أزقة قرية الهانوك التاريخية.

في أروقة المهرجان الذي يعج بالعروض العالمية الأولى والندوات الفكرية، يظهر الزي التقليدي Hanbok كحاضر ثقافي نابض يذكر الجميع بأن السينما لا تقتصر على الشاشة بل تمتد إلى جسد الإنسان وذاكرته الجماعية. أما أصل هذا الزي فيعود إلى أعماق التاريخ الكوري القديم، وتحديدا عصر الممالك الثلاث جوجوريو وبيكتشي وسيلا منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن السابع الميلادي. وقد ظهرت أولى صوره في جداريات مقابر جوجوريو قبل القرن الثالث الميلادي، متأثرة بثقافة البدو الرحل السكيثيين في شمال آسيا وسيبيريا، والتي أعطت الملابس شكلها الأساسي المتمثل في السترة القصيرة جيوغوري والسراويل الواسعة باجي أو التنورة شيما. ومع مرور العصور، تطورت هذه القطع عبر سلالة جوريو ثم بلغت كمالها في عصر جوسون، حيث أصبحت تعبيرا عن الطبقات الاجتماعية والفصول والمناسبات، بألوانها الزاهية وخطوطها المتدفقة التي تعكس فلسفة الانسجام مع الطبيعة. واليوم، يتجلى الهانبوك في مهرجان جونجو كحالة إبداعية تتحول من مجرد قطعة تاريخية إلى تجربة حية، إذ يرتديه الزوار في قرية الهانوك المجاورة لصالات العرض، ليمزجوا بين جلسات الأفلام المستقلة والنزهات في الأزقة الحجرية، وكأن السينما تعيد صياغة التراث ليصبح جزءا من الرؤية الفنية لما وراء الإطار. وهكذا يصبح الزي التقليدي رمزا للهوية الكورية التي تتحدى الزمن، تماما كالأفلام التجريبية التي يقدمها الحدث والمواهب الجديدة التي تروي قصص الشعوب بصدق وجرأة.

تطور الهانبوك في مهرجان جونجو من الجداريات القديمة إلى شاشات السينما المعاصرة
ومع استمرار الفعاليات في أيامها العشرة، يدعو هذا التراث الأصيل Hanbok الجميع إلى رحلة إبداعية تتجاوز النظرة السطحية. ففي عصر جوسون، أصبح الزي رمزا للأخلاق الكونفوشيوسية والجمال البسيط، بينما أضاف المصممون الحديثون لمسات عصرية تجعله مناسبا للحياة اليومية دون فقدان جوهره. وفي سياق السينما المستقلة، يعيد الزي اكتشاف نفسه كعنصر درامي مؤثر في الأفلام الكورية، إذ تظهر شخصيات ترتديه في سياقات معاصرة لتعبر عن الصراع بين التقاليد والحداثة، أو كرمز للمقاومة الثقافية أمام العولمة. ويحرص الزوار على استئجار الأزياء من متاجر قرية الهانوك ليتنزهوا بها بين الفعاليات، فيشعرون وكأنهم يعيشون داخل فيلم سينمائي، حيث تتراقص الخطوط المتدفقة مع نسيم الربيع، وتعكس الألوان الزاهية أضواء الشاشات في شارع الأفلام. وهذا الاندماج ليس مصادفة، فمدينة جونجو بصفتها عاصمة التراث الكوري، تجمع بين قرى الهانوك المحمية والسينما التجريبية، مما يجعل التراث جسرا حيا يربط بين الماضي البعيد والمستقبل الذي يصنعه المخرجون الشباب. وبهذا الإبداع، يؤكد المهرجان أن الثقافة ليست متحفا مغلقا بل حياة نابضة، حيث يصبح الهانبوك في مهرجان جونجو قصة مستمرة تروى كل يوم في أزقة المدينة وفي قاعات العرض، لتشكل دعوة لكل محبي الفن السابع ليغوصوا في عمق الهوية الكورية ويخرجوا بتجربة تتجاوز الإطار تماما.


