Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » انسحابات مهرجان برلين السينمائي 2026 تتوالى: سقوط “الأقنعة الإنسانية” تحت وطأة الصمت

انسحابات مهرجان برلين السينمائي 2026 تتوالى: سقوط “الأقنعة الإنسانية” تحت وطأة الصمت

حشود من الجماهير خلف حواجز حمراء تحت المطر، يرفعون هواتفهم للتصوير في حدث عام، في إشارة لأجواء الترقب والتوتر المحيطة بفعاليات مهرجان برلين السينمائي 2026.

فشل الإدارة: هل كانت انسحابات مهرجان برلين السينمائي نتيجة حتمية للإقصاء؟

بلاك كات 24 :القاهرة _شهدت الدورة الـ76 لـ مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale 2026) زلزالاً أخلاقياً تمثل في سلسلة انسحابات مهرجان برلين السينمائي التي طالت أفلاماً كلاسيكية ورموزاً ثقافية عالمية.

صورة مقسومة تظهر المخرج ويم فيندرز بنظارته الزرقاء المميزة على اليسار، والكاتبة أرونداتي روي تتحدث أمام ميكروفون على اليمين.

وانطلقت شرارة الاحتجاجات عقب تصريحات “صادمة” لرئيس لجنة التحكيم، الألماني ويم فيندرز، الذي دعا صراحة إلى عزل السينما عن الواقع الإنساني المرير في غزة، زاعماً أن الفن يجب أن يكون “عكس السياسة”. هذه الفلسفة التي اعتبرها المبدعون محاولة لتبييض الصمت وتجاهل الدماء، دفعت الكاتبة الهندية العالمية أرونداتي روي للانسحاب فوراً، واصفة الموقف بأنه “إغلاق متعمد للنقاش حول جريمة ضد الإنسانية تحدث في الوقت الفعلي”.

نص البيان الصادر عن مؤسسة سيماتك باللغتين العربية والإنجليزية تضامناً مع مؤسسة الفيلم الفلسطيني.

ولم تتوقف انسحابات مهرجان برلين السينمائي عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل ذاكرة السينما العربية المرممة؛ حيث أعلنت مؤسسة “سيماتك القاهرة” سحب فيلمي “أغنية توحة الحزينة” للمخرجة المصرية عطيات الأبنودي، و”انتزاع الكهرمان” للمخرج السوداني حسين شريف. وأكدت المؤسسة أن المشاركة في ظل هذه “الفلترة” للأصوات المستقلة تمثل تواطؤاً مع الإبادة الجماعية، ليفقد المهرجان بذلك جزءاً من هويته كمنصة كانت يوماً تنتصر للمهمشين.

صورة لمديرة المهرجان تريشيا تاتل Tricia Tuttle، التي تواجه انتقادات حادة بسبب سياسات الإقصاء وتوالي انسحابات مهرجان برلين السينمائي. حقوق الصورة: © Udall Evans.
تريشيا تاتل (Tricia Tuttle)، مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي. حقوق الصورة: © Udall Evans

تريشيا تاتل في مهب الريح: هل نجحت الإدارة في “إقصاء” الروح الإنسانية للمهرجان؟

وسط هذا المشهد المتأزم، يبرز تساؤل جوهري حول الدور الذي لعبته مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، الأمريكية تريشيا تاتل؛ فهل نجحت حقاً في إدارة المهرجان أم أنها نجحت فقط في هندسة انسحابات مهرجان برلين السينمائي التي نشهدها اليوم بتحويله إلى “نادٍ مغلق”؟ إننا هنا لا نهاجم شخص تاتل، بل نتحدث عن “نهجها الإداري” الذي بات يقصي كل من يجرؤ على كسر حاجز الصمت، أو حتى من ينشر صورة عبر صفحته الشخصية في “إنستغرام” تتضامن مع غزة، أو ينتقد سياسات بلدها الأم “أمريكا”. إن الحديث البراق عن “الترحيب بالتنوع” الذي تروج له تاتل، يبدو اليوم مجرد شعارات فارغة أمام واقعة قطع البث المباشر بمجرد طرح أسئلة حول “المعايير المزدوجة”، وهو ما يفسر تزايد انسحابات مهرجان برلين السينمائي احتجاجاً على هذا الإقصاء.

ونحن إذ نعلن آراءنا بوضوح تجاه مانراه دائماً -وسنظل كذلك- فإننا نؤكد أن نقدنا ينصب على “أدوات الإقصاء” لا على الأشخاص أو الدول، خاصة وأن انسحابات مهرجان برلين السينمائي تعكس خيبة أمل المبدعين في سياسات المهرجان الحالية. وفي هذا السياق، نجد لزاماً علينا الإشادة بالدور الحضاري الذي تلعبه السفارة الألمانية في القاهرة، والتي تعمل دوماً على ترسيخ روح التعاون الثقافي الحقيقي عبر تجارب فنية وثقافية رائدة. ويبرز هنا الدور المحوري للسفير الألماني المحترم، السفير يورجن شولتس، هذا الرجل الفنان والمثقف الذي يعلم قيمة الإبداع جيداً؛ فهو خريج جامعة “رور بوخوم” في الاقتصاد، وصاحب الاهتمامات الرفيعة التي تتنوع ما بين الموسيقى الكلاسيكية والأدب المعاصر.

صورة رسمية للسفير الألماني يورجن شولتس H.E. Ambassador Jürgen Schulz، الذي تم الإشادة بدوره الثقافي المنفتح تزامناً مع أزمة انسحابات مهرجان برلين السينمائي. حقوق الصورة: © Deutsche Botschaft Ankara.
السفير الألماني يورجن شولتس (H.E. Ambassador Jürgen Schulz). حقوق الصورة: © Deutsche Botschaft Ankara

إن السفير شولتس يمثل الوجه المشرق لألمانيا التي نحترمها؛ ألمانيا الفن والثقافة، حيث تعكس إدارته للسفارة انفتاحاً حقيقياً لا يعرف الإقصاء، بخلاف ما نراه اليوم من تضييق أدى إلى انسحابات مهرجان برلين السينمائي المتتالية. فالمهرجان وألمانيا ككيانات ثقافية تظل محل تقدير، ولكن تظل إدارة المديرة الحالية واهتماماتها هي العائق أمام استعادة المهرجان لبوصلته الإنسانية التي طالما دعمها السفير شولتس في تجارب ثقافية سابقة جمعت بين التنوع والإختلاف، بعيداً عن سياسات “الفلترة” التي أفرغت “برليناله” من محتواه.

لقد أثبتت هذه الدورة، كما حذر تقرير Black Cat 24 في يوم الافتتاح، أن إدارة تاتل تتبنى سياسة “الفلترة” وتضييق الخناق على الأصوات الحرة. فبدلاً من أن يكون المهرجان مساحة للحوار الإنساني، تحول تحت إشرافها إلى بيئة طاردة للإبداع الذي يرفض الانفصال عن قضايا البشر. إن فشل الإدارة في احتواء هذه الأزمة، واكتفاءها ببيان “أسف” بارد، يضع مصداقية تاتل على المحك، ويؤكد أن برليناله 2026 قد خسر “بوصلته الإنسانية” قبل أن ينهي أيامه الأولى.

سياق متصل: انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ76 وسط اتهامات بقمع الأصوات الإعلامية المستقلة