Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ76 وسط اتهامات بقمع الأصوات الإعلامية المستقلة من جانب مديرته الأمريكية Tricia Tuttle

انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ76 وسط اتهامات بقمع الأصوات الإعلامية المستقلة من جانب مديرته الأمريكية Tricia Tuttle

سيدة بفستان سهرة تقف على السجادة الحمراء أمام قصر Berlinale Palast وسط عدسات المصورين في مهرجان برلين.

انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي: “No Good Men” يفتتح الدورة 76 في ظل أزمة شفافية وإقصاء إعلامي

بلاك كات24:برلين _في قلب العاصمة الألمانية، يشهد اليوم انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale) في دورته السادسة والسبعين، والتي تستمر فعالياتها من 12 وحتى 22 فبراير2026؛ هذا الحدث الذي يمثل الرئة الثقافية لألمانيا وأحد أهم المحافل السينمائية في تاريخ الفن السابع. وبينما تتأهب الأضواء لمحاصرة السجادة الحمراء في “Berlinale Palast” عند السابعة مساءً، تمهيداً لمنح “الدب الذهبي الفخري” للنجمة Michelle Yeoh، تسود غصة مريرة في قلوب الكثير من الإعلاميين والمبدعين. فالانطلاقة التي كان يُفترض أن تكون فضاءً رحباً لحرية التعبير، جاءت محملة باتهامات ثقيلة للمديرة الأمريكية Tricia Tuttle باتباع سياسة “انتقائية” ومتحيزة في منح الاعتمادات الصحفية (Press Accreditation)، ولم يتوقف الأمر عند حدود إقصاء الأقلام الحرة، بل امتدت الشكوك لتطال اختيارات الأفلام التي يبدو أنها خضعت لفلترة صارمة أبعدت أصواتاً سينمائية مستقلة كانت تبحث عن نافذة لعرض قضاياها الإنسانية بعيداً عن الرؤى الإدارية الأمريكية المعلبة. إن المهرجان اليوم لا يواجه تحدي التنظيم فحسب، بل يواجه أزمة هوية حقيقية تهدد بحرمان الجمهور من أفلام وصحافة كانت تشكل الروح الحقيقية لهذا المهرجان العريق.

Tricia Tuttle المديرة الفنية لمهرجان برلين السينمائي الدولي بلقطة رسمية بعدسة Udall Evans.
صورة “بورتريه” رسمية للمديرة الفنية لمهرجان برلين السينمائي الدولي، Tricia Tuttle. تظهر في الصورة بملامح واثقة وابتسامة هادئة، تتميز بشعر كيرلي (متموج) باللون البني الذهبي، وترتدي سترة سوداء كلاسيكية مع “سكارف” أنيق حول الرقبة بنقشة كاروهات أبيض وأسود. خلفية الصورة محايدة وبسيطة لإبراز الحضور المهني للشخصية. الصورة تحمل الحقوق الفكرية للمصور © Udall Evans.

لقد أكدت Tricia Tuttle في مقابلاتها مع“Hollywood Reporter” أن المهرجان “مفتوح للحوار الصعب” ولن يصمت فيه أي صوت، لكن الواقع على الأرض مع انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي يروي قصة مغايرة تماماً تفتقر للشفافية. فقد واجهت منصات محترفة مثل BlackandPaper (المنصة التي تغطي السينما منذ سنوات) رفضاً قاطعاً لطلب اعتمادها بحجة “كثرة الطلبات وعدم وجود مكان”، وهو نفس الرد الصادم الذي وصل لمنصات أخرى لها باع طويل وتغطيات مشهود لها في أعرق المهرجانات المصنفة دولياً مثل مهرجان خيخون السينمائي الدولي (Gijón)، ومهرجان روتردام (Rotterdam)، وشيفيلد (Sheffield Doc/Fest)، بالإضافة إلى مهرجانات “Tromsø” و”Leipzig DOK”.

لقطة شاشة لإشعار رفض الاعتماد من مهرجان برلينالة 76 يحمل شعار الدب الفخري مع نص "Application Rejected" باللون الأبيض على خلفية حمراء.

والأدهى من ذلك، وفي سخرية قدرية تعكس تخبط الإدارة، أنه بعد قرارهم بالإقصاء بحجة “الزحام”، خرجت الحسابات الرسمية للمهرجان لتعلن بكل تبجح:

“Here we go again – Accreditation for the 76th Berlin International Film Festival is officially open! Whether you’re press, industry professional, or a student – Berlinale is calling.”

هذا التناقض الفج لم يتوقف عند الإعلانات، بل وصل إلى استغلال مادي يثير الريبة؛ ففي رسائل الرفض التي وُجهت للصحفيين، تم “دعوتهم” بشكل مبطن للتخلي عن صفتهم الصحفية والتقديم على “اعتماد مهرجان” (Festival Accreditation) مدفوع الثمن، وكأن لسان حال الإدارة يقول: “لا مكان لك كصحفي ناقد ومستقل، ولكن أهلاً بك كـ (زبون) يدفع الأموال مقابل الحضور”. إن مطالبة الصحفيين المحترفين بدفع رسوم مقابل التغطية تحت مسميات أخرى هو الدليل القاطع على أن الإقصاء لم يكن تنظيمياً بسبب “ضيق المكان”، بل كان “فلترة” متعمدة تهدف إلى تحييد الأقلام الحرة واستبدالها بمن يدفع، مما يضع شعار “المهرجان مفتوح للجميع” تحت مقصلة التجارة الثقافية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الجديدة للمهرجان.

جيمي كيميل أثناء تقديم برنامج جيمي كيميل لايف، يواجه تعليق البرنامج بسبب تعليقاته حول اغتيال تشارلي كيرك في 10 سبتمبر 2025، تحت ضغط سياسي من دونالد ترامب وشركتي سينكلير ونيكستار المتعلقة برقابة إعلامية وحرية التعبير.
جيمي كيميل في لقطة من برنامج جيمي كيميل لايف، حيث أثارت تعليقاته في 15 سبتمبر 2025 حول استغلال اغتيال تشارلي كيرك سياسيًا رد فعل قوي، مما أدى إلى تعليقه في 17 سبتمبر 2025 بسبب تهديدات رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية بريndan كار وشركتي سينكلير ونيكستار.


نهج Tricia Tuttle وتخوفات من عقلية “كم الأفواه” على الطريقة الأمريكية

إن التناقض الصارخ الذي يرافق انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الحالية يثير مخاوف عميقة حول مستقبل التعددية الثقافية؛ فمن غير المنطقي أن يُرفض الصحفيون المستقلون بدعوى “ضيق المساحة”، بينما تضج المنصات الرسمية للمهرجان بعد ساعات بدعوات عامة لتقديم طلبات الاعتماد. هذا النهج الإقصائي يعيد إلى الأذهان العقلية التي يتبناها الرئيس الأمريكي Donald Trump في التعامل مع الكيانات الثقافية الكبرى، مثل تهديداته المستمرة لمركز كينيدي (Kennedy Center)، بل إنه يتجاوز ذلك ليعكس روحاً معادية لحرية النقد، تماماً كما تجسد في واقعة وقف برنامج الإعلامي جيمي كيميل (Jimmy Kimmel)؛ حيث يظهر بوضوح أن الهدف هو تحييد الأصوات الجريئة وإخضاع المنصات الثقافية لرؤية أحادية لا تقبل الخروج عن “النص” أو توجيه الانتقادات للسلطة الأمريكية القائمة.

ما يثير الحزن هو أن Berlinale ليس مؤسسة أمريكية، بل هو مؤسسة ألمانية كبرى ممولة من أموال دافعي الضرائب الألمان، ومن واجبه أن يعكس قيم الديمقراطية الألمانية التي تحتضن النقد والتنوع. إن توجه Tricia Tuttle لرفض منصات مثل BlackandPaper وغيرها من الأصوات التي قد تحمل رؤى مغايرة أو تنتقد سياسات أمريكية، يضع المهرجان في خانة “الأمركة الثقافية” الضيقة. فالإعلاميون المستقلون، سواء كانوا عرباً أو أوروبيين، يأتون إلى برلين لأنها “ألمانية” في جوهرها، ترحب بالجميع، لا لأنها تدار بعقلية الإقصاء التي نراها في بعض الدوائر السياسية الأمريكية حالياً.

Anwar Hashimi وShahrbanoo Sadat في مشهد من فيلم No Good Men أمام حوض أسماك ضخم، تصوير Virginie Surdej.
مشهد سينمائي يجمع بين Anwar Hashimi وShahrbanoo Sadat من فيلم No Good Men. يظهر الاثنان جالسين وجهاً لوجه على طاولة طعام مغطاة بمفرش مزين بالزهور الملونة داخل مطعم؛ حيث يبدو Anwar في جهة اليسار مرتدياً سترة جلدية سوداء، بينما تظهر Shahrbanoo في جهة اليمين مرتدية سترة جينز مع حجاب مزين بالورود. يتوسط الخلفية حوض سمك (أكواريوم) ضخم مليء بالشعاب المرجانية والأسماك الملونة، مما يضفي تباينًا بصريًا ساحرًا بين واقعية الشخصيات وعالم الحوض الخيالي. الصورة بعدسة المصورة Virginie Surdej وتعود لإنتاج عام 2026 ضمن قسم Berlinale Special.

يبدأ المهرجان فعالياته الليلة بعرض فيلم “No Good Men” للمخرجة الأفغانية Shahrbanoo Sadat، وهو عمل يتحدث بعمق عن المقاومة والوجود الإنساني؛ ولكن المفارقة الصارخة تكمن في أن “المقاومة الحقيقية” للأصوات المستقلة تم كسرها بدم بارد عند أبواب مكتب المديرة الأمريكية Tricia Tuttle. إن انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ76 سيُسجل في التاريخ ليس فقط من خلال الأفلام المعروضة على شاشاته، بل بهذا السؤال المرير الذي يطارد أروقته: هل انزلق هذا الصرح العريق ليصبح مساحة مقصورة فقط على الأصوات والوسائل الإعلامية التي تخدم توجهات الإدارة الحالية؟

كولاج صور للمخرج أحمد قرمد مدير ومؤسس موقع Black Cat 24 أثناء حضوره فعاليات سابقة من مهرجان برلين السينمائي الدولي Berlinale.


صرخة من أجل سينما لا تعرف الحدود أو الإقصاء

ومع انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي، ندرك يقيناً أن السينما الحقيقية هي تلك التي تولد من رحم المعاناة والصدق، لا من خلف المكاتب التي تمنح وتمنع الصكوك الإعلامية بناءً على الهوى. تظل ألمانيا دولة كبيرة وعريقة، ومهرجانها يمثل إرثاً إنسانياً عالمياً نكنّ له كل الاحترام، لكن إقصاء الأقلام الحرة والأفلام يبقى بمثابة طعنة في قلب هذا الفن الجميل؛ فالصوت المستقل يستحق أكثر من رسالة اعتذار باردة تدعي “ضيق المكان”. نحن بحاجة إلى هذا المهرجان الألماني ليبقى كما عهدناه، يعانق الروح، ويحتوي الجراح، ويؤمن بأن الإنسانية هي اللغة الأهم فوق كل اعتبار، وأن الحوار لا يكون “صعباً” ومثمراً إلا إذا كان حراً حقاً. سيظل الإعلام المستقل رفيقاً للأنين والوجع، يبحث عن الحقيقة خلف بريق السجادة الحمراء، حتى لو أغلقت في وجهه الأبواب، لأن الكلمة الحرة والموقف الإنساني لا يمكن هزيمتهما بقرار أمريكي عابر.

تحديث جاري: انسحابات مهرجان برلين السينمائي 2026 تتوالى.. أزمة ثقة تضرب إدارة تريشيا تاتل