ليلة دافئة وسط الجليد.. انطلاق مهرجان ترومسو السينمائي يعيد رسم خارطة السينما العالمية بجرأة سينمائية وحضور جماهيري قياسي
بلاك كات 24: النرويج _تحت سماء القطب الشمالي المرصعة بأضواء “الأورورا” الساحرة، وفي قلب الظلام القطبي الذي يتحول بفضل الفن إلى نور ساطع، شهدت مدينة ترومسو النرويجية حدثاً سينمائياً استثنائياً تمثل في انطلاق مهرجان ترومسو السينمائي (TIFF) في دورته السادسة والثلاثين، والذي يُعد المنصة الأبرز للفن السابع في شمال أوروبا. هذا الحدث لم يعد مجرد مناسبة سنوية لعرض الأفلام، بل تحول عبر العقود إلى تظاهرة ثقافية وإنسانية تتحدى الصقيع بدفء القصص، فمنذ تأسيسه عام 1991 وحتى اليوم، نجح المهرجان في تحقيق نمو مذهل، حيث قفزت أعداد الحضور من 5200 شخص في دورته الأولى لتصل إلى رقم قياسي بلغ 62,326 مشاهداً في عام 2025، وهو ما يعكس تعطش الجمهور في المناطق الشمالية للسينما النوعية التي تلتزم بقيم “الجرأة، التحدي، والملاءمة”. وتمتد فعاليات هذه الدورة من التاسع عشر وحتى الخامس والعشرين من يناير 2026، محولة المدينة بأكملها إلى قبلة لصناع السينما وعشاقها، حيث يمتزج سحر الطبيعة القاسية برؤى المخرجين الجريئة، في نسخة استثنائية ترفع شعار “الشباب” وتدمج أصواتهم في البرمجة تزامناً مع تتويج ترومسو بلقب “عاصمة الشباب الأوروبية” لهذا العام.

وقد دبت الحياة في شوارع المدينة الثلجية مساء التاسع عشر من يناير مع انطلاق مهرجان ترومسو السينمائي رسمياً بحفل افتتاح مهيب حضرته وزيرة التجارة والصناعة النرويجية “سيسيلي ميرسيث”، التي لم تتحدث كمسؤولة حكومية فحسب، بل كابنة للمكان استعادت ذكريات عشرين عاماً من الحضور المتواصل. وأكدت الوزيرة في كلمتها أن المهرجان هو “المكان الذي نلتقي فيه بالأصدقاء القدامى ونصنع ذكريات جديدة”، موجهة تحية تقدير للجيش الخفي من المتطوعين والمؤسسات الداعمة الذين جعلوا من هذا الحلم المستمر حقيقة ملموسة، خاصة بعد تحول المهرجان إلى مؤسسة مستقلة لها مجلس إدارتها الخاص منذ عام 2002. وكانت الضربة السينمائية الأولى في الحفل مع العرض العالمي الأول للفيلم النرويجي “Solomamma” للمخرجة يانيكه أسكيفولد، الذي قدم دراما إنسانية معقدة حول “إديث”، الصحفية التي تخوض رحلة الأمومة المنفردة في الأربعينيات من عمرها، طارحاً أسئلة وجودية عميقة حول الجذور، والهوية، وتحديات الأسرة في العصر الحديث، مما أثار نقاشات عميقة بين الجمهور بحضور بطلات العمل ليزا لوفن كونغسلي وترود-صوفي أولافسرود اللواتي نلن تصفيقاً حاراً.

ولم يقتصر صدى انطلاق مهرجان ترومسو السينمائي على الدراما الاجتماعية، بل كان للسياسة والواقع الدولي الملتهب حضور طاغٍ في القاعات المختلفة مثل “Fokus” و”Verdensteatret” و”Kulturhuset”، حيث برزت الوثائقيات الجريئة التي تلامس الوجدان العربي والإنساني. فقد عُرض فيلم “The Voice of Hind Rajab” (صوت هند رجب) ليوثق مأساة إنسانية تعيد التذكير بالألم الفلسطيني المستمر، في خطوة تثبت شجاعة المهرجان في عدم الانفصال عن الواقع. وتزامناً مع ذلك، خُصصت عروض لفيلم “The Bibi Files” (ملفات بيبي)، وهو وثائقي استقصائي يخترق كواليس السياسة الإسرائيلية مستخدماً تسريبات من تحقيقات فساد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ليكشف خبايا السلطة وتجاوزاتها أمام جمهور عالمي في قاعة “Fokus 5”. كما نقل فيلم “2000 Meters to Andriivka” المشاهدين إلى الجبهة الأوكرانية، واضعاً إياهم وجهاً لوجه مع قسوة الحرب وشجاعة الجنود في تحرير قراهم. وبينما قدم الفيلم السلوفيني “Little Trouble Girls” نظرة مغايرة لمشاكل المراهقة، تألق الفيلم ذو العنوان العربي “Sirāt” (صراط) في طرحه الفني، بالإضافة إلى أعمال أخرى متنوعة مثل “Hamnet” و”Saipan” و”California Schemin'” التي أثرت الجدول اليومي للمهرجان بتنوع ثقافي وفني فريد يجمع بين الروائي والوثائقي.

ولعل الأيقونة الأكثر سحراً التي رافقت انطلاق مهرجان ترومسو السينمائي هي “سينما الشتاء” (Winter Cinema) المقامة في الساحة الرئيسية “ستورتورجت”، حيث خاض الجمهور تجربة مشاهدة الأفلام في الهواء الطلق وسط درجات حرارة تحت الصفر وظلام الليالي القطبية الذي يمنح المهرجان ميزته الفريدة. هذه الساحة شهدت صباح الافتتاح حدثاً خاصاً للأطفال تمثل في العرض العالمي الأول لفيلم التحريك “Nora’s Ark” (سفينة نورا) للمخرج أندريه لوند إريكسن، الذي يعالج أزمة المناخ من منظور طفولي بريء، مما يؤكد اهتمام المهرجان بغرس الثقافة السينمائية لدى الأجيال الناشئة. هذا التنوع المذهل بين العروض الداخلية والخارجية، وبين الأفلام الروائية والوثائقية، والسياسية والاجتماعية، يجعل من الأسبوع الحالي في ترومسو رحلة استكشافية لا تتوقف، واعداً بمزيد من المفاجآت والندوات والحفلات التي تستمر حتى ختام المهرجان في الخامس والعشرين من الشهر الجاري. ومما لا شك فيه أن هذا الحدث يثبت عاماً بعد عام أن السينما هي لغة الشعوب القادرة على إذابة الجليد، وسنواصل تغطية فعاليات هذا المهرجان الهام وتحليل أبرز عروضه لحظة بلحظة عبر موقعنا “بلاك كات 24”.


