Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » بين عمارة الحداثة وأسئلة الوجود: انطلاق مهرجان روتردام السينمائي الدولي يفتح نوافذ الروح

بين عمارة الحداثة وأسئلة الوجود: انطلاق مهرجان روتردام السينمائي الدولي يفتح نوافذ الروح

جمهور غفير يملأ قاعة العرض الرئيسية لمتابعة الأفلام المشاركة لحظة انطلاق مهرجان روتردام السينمائي في دورته الـ55.

من جدليات الإيمان إلى سينما التأمل: انطلاق مهرجان روتردام السينمائي الدولي يكشف عن روائع اليوم الأول

بلاك كات 24: روتردام، هولندا_ في مدينة لا تعترف بالسكون، وحيث يُعانق جسر “إيراسموس” الأفق كوتر قيثارة مشدود، تبدو روتردام مسرحاً مثالياً لاحتضان السرديات الجريئة. هذه المدينة، التي أعادت هندسة هويتها من ركام الحرب لتصبح عاصمة للحداثة والتعددية، لا تكتفي بكونها أكبر ميناء في أوروبا، بل تتحول اليوم إلى ميناء للأرواح الهائمة بحثاً عن المعنى، بالتزامن مع انطلاق مهرجان روتردام السينمائي الدولي (IFFR) في دورته الخامسة والخمسين. هنا، وبينما تمتزج ملامح أكثر من 170 جنسية في فسيفساء بشرية فريدة، تُفتح الشاشات لتكون مرايا تعكس قلق الإنسان المعاصر وأحلامه.

علم أبيض يحمل شعار النمر يرفرف في شوارع مدينة روتردام ترحيباً بعشاق السينما المستقلة.

ومع انطلاق مهرجان روتردام السينمائي الذي يمتد من 29 يناير إلى 8 فبراير 2026، يرسخ الحدث مكانته كقلعة للصمود الفني في وجه طوفان السينما التجارية. فمن خلال أذرعه الإنتاجية مثل “CineMart” وصندوق “Hubert Bals Fund” الذي يمد يد العون لصناع الصورة في الجنوب العالمي، يؤكد المهرجان أن السينما ليست مجرد فرجة، بل فعل مقاومة ثقافية وملاذ آمن للأصوات المستقلة التي تعيد تشكيل وعينا بالعالم.

المتجر الرسمي يعرض منتجات تذكارية بشعار النمر تزامناً مع انطلاق مهرجان روتردام السينمائي.

اليوم الأول: طقوس سينمائية تبدأ من الشارع

لم تكن البداية تقليدية، ففور انطلاق مهرجان روتردام السينمائي، اشتعلت الشرارة الأولى من قلب الحياة اليومية في محطة روتردام المركزية، حيث يفرض التجهيز الفني البصري “Raftsmen and Canoeists” للمخرج البرازيلي “جوناتاس دي أندرادي” حضوره. هذا العمل ليس مجرد توثيق لحياة الصيادين، بل هو قصيدة بصرية تحتفي بعلاقة الإنسان البدائية مع الطبيعة، مهيئاً الحواس لاستقبال ما هو أعمق.

مشهد مؤثر من الفيلم الموزمبيقي O profeta المشارك في مسابقات انطلاق مهرجان روتردام السينمائي.

ومع ساعات الصباح الأولى التي واكبت انطلاق مهرجان روتردام السينمائي، كشفت عروض “VPRO Previewdag” عن تجارب سينمائية تتسم بالنضج الفني والعمق الفلسفي، وتتقاطع بشكل مدهش مع الوجدان العالمي الشغوف بقضايا المصير والروابط الإنسانية:

“O profeta” (النبي) – موزمبيق: في تجربة سينمائية صادمة تأتي تزامناً مع انطلاق مهرجان روتردام السينمائي، يقدم المخرج “إيكي لانجا” تشريحاً نفسياً لقسيس تتهاوى قناعاته، فيلجأ إلى الميتافيزيقا المظلمة. الفيلم يطرح بلغة سينمائية خشنة أسئلة شائكة حول “أزمة اليقين” والبحث عن الخلاص، ملامساً الموروث الثقافي المهتم بجدلية الروح والمادة.

لقطة من الفيلم الصيني Nangong Cheng، أحد أبرز العروض التي واكبت انطلاق مهرجان روتردام السينمائي.

“Nangong Cheng” – الصين: المخرج “شاو بان” يشارك في فعاليات انطلاق مهرجان روتردام السينمائي برحلة بصرية تمتد لثلاث ساعات، تعتمد على “زمن اللقطة” الطويل. قصة عامل الصلب ذي القدرات الشفائية ليست مجرد سردية فانتازية، بل هي مرثية شرقية عن الألم والانتقام وحتمية الزوال، تُقدم بلغة سينمائية شاعرية تقترب من التصوف.

مشهد من الفيلم النرويجي Butterfly الذي يُعرض ضمن فعاليات انطلاق مهرجان روتردام السينمائي بدورته الـ55.

“Butterfly” – النرويج: من أبرز عروض انطلاق مهرجان روتردام السينمائي، فيلم المخرجة “إيتونجي سويمر جوتورمسن” الذي يقدم دفئاً إنسانياً معقداً. الفيلم يغوص في ميكانيزمات العلاقات الأسرية من خلال شقيقتين، حيث يتحول الإرث في جزر الكناري إلى مكاشفة مؤلمة للذات، مناقشاً ثيمة “الفقد” التي تشكل عماداً أساسياً في الأدب والسينما.

لقطات مجمعة توثق العرض الأول لفيلم الافتتاح Providence and the Guitar وحضور الضيوف على السجادة الحمراء في روتردام.

الافتتاح الرسمي: انتصار الخفة والموسيقى

في المساء، ووسط ترقب النخبة السينمائية لفعاليات مهرجان روتردام السينمائي الدولي الرسمية، جاء فيلم “Providence and the Guitar” للبرتغالي “جواو نيكولاو” ليكون بمثابة “استراحة المحارب”. الفيلم ينسج بذكاء حكاية رومانسية عبثية عن الفنانين الباحثين عن صوتهم الخاص. وبحضور المغني “سلفادور سوبرال”، تحول العرض إلى احتفالية بالحياة، مؤكداً أن السينما قادرة على صنع البهجة بذات القدرة على إثارة الشجن.

السينما.. حينما يصبح الضوء لغة

هكذا، ومع اللحظات الأولى التي شهدت انطلاق مهرجان روتردام السينمائي، ندرك أننا لسنا مجرد شهود على عروض أفلام، بل نحن جزء من طقس جماعي للتطهير عبر الصورة. في هذا المهرجان، تتحول القاعات المظلمة إلى محاريب للتأمل، وتصبح الشاشة نافذة نطل منها على ذواتنا الهشة. ومن خلال موقع”بلاك كات24″، نعدكم بأن نكون ظلكم في هذه الرحلة، ننقل لكم دهشة الاكتشاف، ونقرأ ما بين السطور والكادرات، لأن السينما الحقيقية لا تنتهي بظهور شارة النهاية، بل تبدأ حين يغادر الجمهور القاعة محملين بالأسئلة.