Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » “تحت الغيوم”: رحلة غيامفرانكو روسي في قلب نابولي الخفي

“تحت الغيوم”: رحلة غيامفرانكو روسي في قلب نابولي الخفي

بوستر فيلم تحت الغيوم، يظهر جبل فيزوفيوس في الأفق تحت سماء غائمة مظلمة، مع مدينة نابولي ممتدة أسفله، مصمم بالأبيض والأسود ليعكس الأسلوب السينمائي الدرامي.

بلاك كات 24 : إيطاليا

في فيلمه الجديد SOTTO LE NUVOLE (تحت الغيوم)، المعروض ضمن مسابقة البندقية 82، يأخذنا المخرج الإيطالي الشهير غيامفرانكو روسي في رحلة سينمائية ساحرة وعميقة تحت السحاب إلى قلب نابولي، لكنه ليس نابولي السياحية المألوفة، بل نابولي الأخرى، تلك التي تتنفس تحت ظلال البركان، بين أطلال التاريخ ونبض الحياة اليومية. الفيلم، الذي صُوّر بالأبيض والأسود، ليس مجرد وثائقي بصري، بل هو تأمل فلسفي في الزمن، الذاكرة، والعلاقة بين الإنسان والأرض.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر مشهدًا بالأبيض والأسود لشارع حجري قديم في أطلال بومبي، مليئ بالأحجار المنتشرة ومغطى بطبقة رقيقة من الماء، تعكس الجو المظلم والتاريخي تحت إضاءة خافتة، متسقة مع أسلوب غيامفرانكو روسي الوثائقي.

نابولي: ماكينة الزمن العظيمة

يبدأ الفيلم تحت سماء خليج نابولي، حيث يرقد البركان فيزوفيوس كحارس صامت، وتتصاعد أبخرة كامبي فليغري كعلامات لنبض الأرض الحي. روسي، بكاميرته الشاعرية، يأخذنا إلى عالمٍ يمتزج فيه الحاضر بالماضي، حيث الأطلال الرومانية الغارقة تحت الماء، ومدينتا بومبي وهيركولانيوم، تحكيان قصصًا عن مستقبلٍ مدفون. هذه ليست مجرد أماكن، بل هي طبقات زمنية تتكشف أمام عدسة روسي، الذي يوثّق ببراعة كيف تتشابك حياة السكان المعاصرين مع إرث التاريخ.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر شخصية ترتدي رداءً أبيض تجلس بين أنقاض حجرية في ضوء خافت، تحمل شمعة مضيئة في يدها، مما يعكس الأجواء المظلمة والتأملية التي يصورها غيامفرانكو روسي في سياق التاريخ والذاكرة.

في تحت الغيوم، نابولي ليست مدينة فحسب، بل هي “ماكينة زمن”، كما يصفها الفيلم. الظلال البركانية، الأصوات البشرية، والحركة المستمرة للـ”سيركومفيزوفيانا” (قطار الضواحي) تخلق إيقاعًا فريدًا ينبض بالحياة. روسي يرصد هذا الإيقاع من خلال شخصيات متنوعة: أطفال يتعلمون في برامج ما بعد المدرسة، رجال إطفاء يواجهون مخاوف السكان، علماء آثار يابانيون يحفرون في فيلا أوغسطس منذ عقود، وحتى تجار الآثار غير الشرعيين الذين يطاردهم رجال الأمن. كل هذه القصص الصغيرة تتشابك لتشكل لوحة موزاييك نابضة بالحياة، تعكس تنوع وتعقيد هذا العالم.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر ثلاثة أشخاص يعملون  في موقع حفريات أثرية وسط أنقاض حجرية بالأبيض والأسود، يعكس جهود علماء الآثار اليابانيين في فيلا أوغسطس، مع تركيز على التفاصيل اليومية للبحث عن الماضي بأسلوب غيامفرانكو روسي التأملي.

الأبيض والأسود: عدسة الزمن

اختيار روسي تصوير الفيلم بالأبيض والأسود ليس مجرد قرار جمالي، بل هو تعبير عن رؤيته الفلسفية. في تعليقه عن الفيلم، يقول: “لقد صوّرت بالأبيض والأسود، ونظرت بالأبيض والأسود”. هذا الاختيار يجرد المشاهد من إغراءات الألوان الزاهية التي قد تصرف الانتباه عن جوهر القصة. الأبيض والأسود هنا هو مرشح يسمح لنا برؤية نابولي كما لو كنا ننظر إلى لوحة قديمة، حيث تتلاشى الحدود بين الحاضر والماضي.

التصوير الأحادي اللون يعزز الإحساس بالزمن المعلق، كما لو أن كل إطار في الفيلم هو صورة فوتوغرافية من أرشيفٍ خالد. الكاميرا تتحرك ببطء، تأخذ وقتها لتلتقط التفاصيل: خيول التدريب على الشاطئ، السفن السورية التي تفرغ الحبوب الأوكرانية في توري أنونزياتا، والمصلين الذين يزحفون في ضريح مادونا ديل آركو. هذه المشاهد ليست مجرد لقطات، بل هي لحظات تأملية تجعل المشاهد يتساءل: ما الذي يبقى منا بعد أن يمر الزمن؟

صورة للمخرج غيامفرانكو روسي أثناء تصوير فيلم تحت الغيوم، يرتدي جاكيتًا أزرق وقبعة زرقاء، وهو يركز على الكاميرا بجانب جدار مغطى بالجرافيتي، مع شباك صيد وأدوات تصوير منتشرة أمامه، تعكس التفاني في عمله الوثائقي.

روسي: راوي قصص الحياة

غيامفرانكو روسي، المعروف بأفلامه الوثائقية العميقة مثل Sacro GRA وFuocoammare، يثبت مرة أخرى أنه ليس مجرد مخرج، بل راوٍ بصري استثنائي. في تحت الغيوم، يعتمد على نهج شبه شعري، حيث يترك المشاهد يغوص في التجربة دون فرض رواية خطية. يقول روسي: “عندما أصوّر، أرحب بمفاجأة اللقاء، بمكان، بحياة موقف ما. التحدي في السرد هو أن أتبع الإطار بينما تأخذ القصص حياتها.” هذا النهج يجعل الفيلم تجربة حية، كأننا نعيش مع الشخصيات، نسمع أنفاسهم، ونشعر بثقل التاريخ تحت أقدامهم.

روسي لا يوثّق فقط، بل يحفر بعمق في الروح البشرية. يرصد المعلم الذي يكرس حياته لتعليم الأطفال في الأحياء الشعبية، والعلماء اليابانيين الذين يجمعون بصبر بقايا العظام والبذور من فيلا أوغسطس، والمؤمنين الذين يضعون آمالهم في الأضرحة. هذه ليست مجرد قصص عابرة، بل هي شهادات على مرونة الإنسان وقدرته على إيجاد معنى وسط الفوضى والزمن الذي لا يرحم.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر شخصًا يرتدي زي رجال الإطفاء يقف في إطار باب حجري ضيق بالأبيض والأسود، مع ضوء خافت ينبعث من الأمام، يعكس الجهود البطولية في مواجهة المخاطر وسط الأنقاض، بأسلوب تأملي لغيامفرانكو روسي.

الصوت والصمت: موسيقى الحياة

جانب آخر يميز تحت الغيوم هو التوازن الرائع بين الصوت والصمت. الموسيقى التي أبدعها دانييل بلومبرغ تأتي كخلفية خافتة، لا تطغى على المشاهد بل تكملها، كأنها همسة الأرض نفسها. أما الصوت، الذي سجله روسي بنفسه، فيحمل أصداء الحياة: صوت القطار، همهمة السياح، صلاة المؤمنين، وصوت الأمواج التي تضرب الشاطئ. هذه الأصوات، جنبًا إلى جنب مع الصمت الذي يفصل بينها، تخلق إيقاعًا يشبه دقات قلب نابولي.

المونتاج، من إبداع فابريزيو فيديريكو، يعزز هذا الإحساس بالزمن المتدفق. المشاهد ليست متسارعة، بل تأخذ وقتها لتتنفس، مما يسمح للمشاهد بالتأمل في كل إطار. هذا الإيقاع البطيء قد يبدو تحديًا للبعض، لكنه في الحقيقة دعوة للتوقف والنظر بعمق إلى العالم من حولنا.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر شخصًا يرتدي زي رجال الإطفاء واقفًا في إطار باب حجري ضيق بالأبيض والأسود، مع ضوء خافت ينبعث من الأمام، يعكس الجهود البطولية وسط الأنقاض بأسلوب تأملي لغيامفرانكو روسي.

نابولي كمرآة للإنسانية

ما يجعل تحت الغيوم فيلمًا استثنائيًا هو قدرته على تحويل نابولي إلى مرآة للإنسانية جمعاء. من خلال عدسة روسي، تصبح المدينة رمزًا للصراع الأبدي بين الإنسان والزمن، بين الحياة والموت، بين الأمل والخسارة. الفيلم لا يحكي قصة واحدة، بل ينسج شبكة من القصص التي تتقاطع تحت سماء ملبدة بالغيوم، حيث يختلط الدخان البركاني بأحلام السكان وذكريات الماضي.

روسي، بأسلوبه المتأمل، يدعونا لنرى جمال الحياة في تفاصيلها الصغيرة: ابتسامة طفل في درس ما بعد المدرسة، صبر عالم آثار يحفر في التراب، أو صوت موجة تلامس الشاطئ. هذه اللحظات، التي قد تبدو عادية، تصبح تحت عدسته لوحات فنية تحمل في طياتها معنى عميقًا عن الحياة.

صورة من فيلم تحت الغيوم، تظهر شخصًا يرتدي سماعات داخل طائرة ينظر من نافذة بينما يحمل خريطة، مع منظر بانورامي بالأبيض والأسود لمدينة نابولي وجبل فيزوفيوس في الأفق، تعكس الرؤية الجوية التأملية لغيامفرانكو روسي.

أرشيف الحقيقة

في تعليقه عن الفيلم، يصف روسي تجربته بأنها “اكتشاف أرشيف جديد للحقيقة”. تحت الغيوم هو بالفعل أرشيف حي، يوثّق ليس فقط نابولي، بل الروح الإنسانية في مواجهة الزمن. إنه فيلم يتحدى التصنيفات، يتجاوز حدود الوثائقي التقليدي ليصبح قصيدة بصرية تتغنى بالحياة والتاريخ.

لجمهور Black Cat 24، هذا الفيلم ليس مجرد تجربة سينمائية، بل دعوة للتأمل في جذورنا، في علاقتنا بالمكان والزمان. إذا كنت تبحث عن عمل يوقظ الحواس ويثير الأسئلة العميقة، فإن SOTTO LE NUVOLE هو رحلة لا تُفوَّت. تحت الغيوم، تنتظرك نابولي، بكل أسرارها وجمالها الخفي.