الرئيسية » تفاصيل رحيل وإرث الفنان التشكيلي سليمان منصور مبدع جمل المحامل

تفاصيل رحيل وإرث الفنان التشكيلي سليمان منصور مبدع جمل المحامل

صورة شخصية باللونين الأبيض والأسود تظهر الفنان التشكيلي سليمان منصور واقفاً أمام إحدى جدارياته الفنية

المشهد الثقافي يودع الفنان التشكيلي سليمان منصور بعد مسيرة حافلة

بلاك كات 24 : فلسطين _يمثل إعلان رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور خسارة فادحة للساحة الفنية والثقافية الفلسطينية والعربية، حيث شكلت أعماله على مدار أكثر من خمسة عقود ذاكرة بصرية حية توثق تفاصيل الهوية ومعاناة النزوح وتجذر الشعب الفلسطيني في أرضه. لم يكن مجرد رسام تقليدي، بل كان سفيراً للقضية يحمل هموم وطنه عبر ألوانه وخاماته المستوحاة من طين الأرض، ليحول الفن إلى أداة دبلوماسية قوية نجحت في إيصال رسالة الصمود إلى العالم أجمع، متجاوزاً بذلك كافة الحدود الجغرافية والسياسية.
غيب الموت أمس الإثنين 24 أغسطس 2026، الفنان التشكيلي سليمان منصور في مدينة القدس عن عمر ناهز 79 عاماً. وأعلنت عائلته النبأ الحزين عبر حسابه الرسمي على إنستغرام، مشيرة إلى أنه ترك وراءه إرثاً مليئاً بالجمال والذاكرة التي ستستمر في حياة كل من لامسهم فنه. ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية رحيله، مؤكدة أنه من أبرز الأسماء التي أسهمت في بناء الحركة الفنية الفلسطينية وتطوير حضورها عربياً ودولياً، تاركاً أثراً عميقاً في أجيال عديدة من الفنانين.
وُلد الفنان التشكيلي سليمان منصور في بلدة بيرزيت قرب رام الله عام 1947، قبل النكبة بفترة وجيزة، ونشأ محاطاً بأشجار الزيتون التي شكلت عنصراً أساسياً في لوحاته اللاحقة. درس الفن في أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم في القدس وتخرج منها عام 1970، ليبدأ مسيرة حافلة تميزت بتوظيف الخامات المحلية مثل الطين والحناء والخيش تعبيراً عن الارتباط العضوي بالأرض. وقد تجلى هذا التوجه بشكل خاص خلال الانتفاضة الأولى عام 1987 حين شارك في تأسيس مجموعة “نحو آفاق جديدة” (New Visions) لمقاطعة أدوات الفن الإسرائيلية والاعتماد على المواد الطبيعية لتجسيد قصص شعبه.

لقطات مجمعة لأشهر لوحات الفنان التشكيلي سليمان منصور تتوسطها أيقونته الفنية جمل المحامل


ولعل أبرز ما يخلد مسيرة الفنان التشكيلي سليمان منصور هي لوحته الأيقونية “جمل المحامل” التي رسمها عام 1973. تصور اللوحة رجلاً فلسطينياً مسناً يرتدي الزي التقليدي ويحمل مدينة القدس وصخرة الأقصى على ظهره داخل كيس يشبه العين، لترمز إلى الصمود الفلسطيني وثقل الأمانة والتاريخ. تحولت هذه اللوحة لاحقاً إلى ملصق يزين البيوت والأماكن العامة، لتتجاوز جدران المعارض وتصبح جزءاً من الوجدان الشعبي.
وإلى جانب إبداعه الفني، أسهم الفنان التشكيلي سليمان منصور بقوة في تأسيس البنية التحتية للفن الفلسطيني، حيث كان من مؤسسي رابطة التشكيليين الفلسطينيين ورئيسها بين عامي 1986 و1990، كما ساهم في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس الشرقية عام 1994، وشارك في تأسيس الأكاديمية الدولية للفنون المعاصرة في رام الله. وتكريماً لعطائه الواسع ومسيرته الأكاديمية بالتدريس في جامعة القدس لسنوات، نال العديد من الجوائز المرموقة، أبرزها جائزة فلسطين للفنون التشكيلية (1998)، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة التاسع (1998)، وجائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية (2019)، وأخيراً جائزة النيل للمبدعين العرب من مصر لعام 2025.
لقد أثبت الفنان التشكيلي سليمان منصور طوال حياته أن الفن لا ينفصل عن المقاومة، فبالرغم من ظروف الاحتلال والتحديات الصحية التي واجهته إثر إصابته بجلطة قبل عامين أثرت على يده، استمر في الالتزام بروتينه اليومي وزيارة مرسمه برام الله للإبداع والرسم. برحيله، تفقد دولة فلسطين والعالم العربي حارساً أميناً لذاكرتها البصرية، تاركاً خلفه إرثاً يضمن بقاء الهوية الفلسطينية حية في ضمير الإنسانية.