Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » تينا لوك.. حكاية السيدة التي أشعلت الضوء في تالين

تينا لوك.. حكاية السيدة التي أشعلت الضوء في تالين

صورة شخصية لـ تينا لوك، مؤسسة مهرجان تالين بلاك نايتس السينمائي، وهي تنظر إلى الكاميرا.

بلاك كات 24 : إستونيا _ سبعون عامًا. ماذا يعني هذا الرقم في حياة امرأة مثل تينا لوك؟ اليوم، الأول من أكتوبر، ليس مجرد يوم عادي في التقويم، بل هو يوم ميلادها السبعون. إنها قصة عمرٍ كامل من الشغف والإصرار، حكاية سيدة قررت أن تهدي لمدينتها، تالين، هوية جديدة من نور وحكايات تُعرض على الشاشة الكبيرة.

صورة فنية قديمة لـ تينا لوك وهي تبتسم بهدوء وتستند بذقنها على يديها.

لنتخيل المشهد للحظة: وُلدت تينا في مدينة ساكسا الصغيرة بإستونيا، وحملت معها حلمًا أكبر من حدود مدينتها. سافرت إلى موسكو لتصقل موهبتها بالدراسة في معهد جيراسيموف العريق للسينما (VGIK). لكنها لم تكتفِ بالشهادة، بل انغمست في قلب الصناعة السينمائية في وطنها؛ فعملت لعقد كامل في استوديو “تالين فيلم” ككاتبة سيناريو وعضو في مجلسه الفني، وأسست شركتها الإنتاجية الخاصة “FilmaMAX”. وفي ذات الوقت، كرست نفسها لبناء الجيل القادم، حيث قامت بالتدريس كأستاذة لتاريخ السينما وكتابة السيناريو في أرقى أكاديميات الفنون في إستونيا، ومنها مدرسة البلطيق للسينما والإعلام. وفي خضم كل هذا، كان بداخلها حلمٌ أكبر كان على وشك أن يولد لدى تينا لوك.

شعار مهرجان تالين بلاك نايتس السينمائي (PÖFF)، وهو صورة ظلية لذئب أسود أمام قمر أبيض.

وهكذا، في عام 1997، وُلد مهرجان تالين بلاك نايتس السينمائي (PÖFF). لم يبدأ ضخمًا، بل بدأ كفكرة نمت بفضل روحها التي لا تستسلم. كانت تينا لوك هي المحرك والقلب والعقل. وبفضل قيادتها، أصبح المهرجان نافذة العالم على إستونيا، ومنصة عرف من خلالها الكثيرون هذا البلد الساحر وتاريخه وثقافته لأول مرة. لقد تحولت ليالي مدينتها الباردة إلى احتفال دافئ بالفن يترقبه العالم.

اليوم، هذا المهرجان ليس مجرد حدث عابر. إنه أحد أهم 15 مهرجانًا سينمائيًا في العالم، يحمل شرف التصنيف “A”، وهو اعتراف دولي لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تفانيها الذي لا ينقطع. إن تينا لوك، بقوة شخصيتها، كانت القوة الدافعة وراء هذا النجاح.

تينا لوك تجلس بين الحضور في صالة سينما خلال إحدى فعاليات مهرجان تالين السينمائي.

لكن القوة الحقيقية لـتينا ظهرت في الأوقات الصعبة. عندما توقف العالم، وأُغلقت دور السينما، رفضت أن ينطفئ هذا الضوء. أصرت على استمرار المهرجان، ليس كتحدٍ، بل كرسالة أمل بأن الفن سيجد طريقه دائمًا.

تينا لوك تبتسم وهي تحمل باقة ورود كبيرة ودرع تكريمي في إحدى المناسبات.

وبالطبع، لم يمر كل هذا الجهد دون أن يترك أثره. كرمتها بلدها إستونيا بوسام “النجمة البيضاء”، ومنحتها فرنسا وسام “فارس الفنون والآداب”، واعتبرتها مدينتها تالين “مواطنة فخرية”. وتجاوز التقدير حدود الجوائز والأوسمة الرسمية، ليتم اختيارها كعضو مرموق في أكاديمية الفيلم الأوروبية، اعترافًا بمكانتها كواحدة من أهم الأصوات السينمائية في القارة.

مديرة مهرجان بلاك نايتس تالين في استوديو إذاعي وهي تحمل جائزة على شكل شعلة وبجانبها باقة زهور.

في عيدها السبعين، ندرك أن إرث تينا لوك الحقيقي يتجاوز حدود شاشات السينما. لقد نجحت هي وفريقها المتفاني في تحقيق ما تعجز عنه الدبلوماسية التقليدية؛ ففي الوقت الذي قد يظل فيه عمل السفارات حبيس الجدران والقنوات الرسمية، ولا يكاد يترك أثرًا يُذكر في قلوب الناس، كان مهرجانها هو سفير إستونيا الحقيقي الذي قدمها للعالم بلغة يفهمها ويحبها الجميع: لغة الفن. لقد كان قلبًا مفتوحًا يجمع ثقافات من كل بقاع الأرض، خالقًا حوارًا إنسانيًا لم يكن ممكنًا لولا الفن. بفضل تينا لوك، أصبحت السينما لغة عالمية لتقارب الشعوب، تذيب الاختلافات وتذكرنا بأن قصصنا ومشاعرنا تتشابه مهما ابتعدت المسافات. تينا لم تصنع مهرجانًا، بل صنعت مساحة آمنة للإنسانية كي تلتقي وتتحاور.