من وقف “الفوزان” وبلاغة “الأزهر” إلى ثورة “علاج السمنة” ومعادلات الرياضيات.. العالم يحتفي بعباقرة توجتهم جائزة الملك فيصل
بلاك كات 24 : المملكة العربية السعودية _ حينما تلتقي “أصالة التراث” بـ “حدود العلم القصوى”، وحينما يُكرم مَنْ خدموا “الوحي” بجانب مَنْ فككوا “شفرات الجينات”، فإننا بلا شك في حضرة جائزة الملك فيصل؛ تلك المؤسسة العريقة التي لم تكتفِ بكونها جسراً بين الشرق والغرب منذ انطلاقها عام 1979، بل أصبحت “ختم الجودة” العالمي للإنجاز البشري. وفي دورتها لعام 2026، واصلت الجائزة، التي يرأس هيئتها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، رسالتها الخالدة في “خدمة الإنسانية”، معلنة عن كوكبة جديدة من الفائزين الذين حفروا أسماءهم في سجل الخلود، لترسخ مكانتها كواحدة من أرفع الجوائز العالمية، التي مهدت الطريق لـ 24 فائزاً سابقاً لنيل جائزة نوبل.

إرث الملك فيصل.. الرؤية التي سبقت عصرها
لا يمكن فهم عمق جائزة الملك فيصل دون العودة إلى النبع الأول؛ الملك فيصل بن عبدالعزيز (1906-1975)، القائد الفذ الذي تربى في مدرسة والده المؤسس، ومزج بين دهاء السياسة وفروسية الصحراء. لقد كان الفيصل، الذي وقع ميثاق الأمم المتحدة شاباً، يرى أن “العلم” هو الرافعة الحقيقية للأمم. ومن هذا المنطلق، تأسست “مؤسسة الملك فيصل الخيرية” عام 1976 لتحمل شعلة رؤيته، وتكون الجائزة ذراعها الذي يمتد لمكافأة كل من ساهم في نماء البشرية وإثراء الفكر الإنساني، معتمدة في قراراتها على لجان اختيار عالمية تتمتع باستقلالية تامة.

وتحظى الجائزة برعاية ملكية ودعم من هيئة رفيعة المستوى، يترأسها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وتضم في عضويتها كلاً من: صاحب السمو الملكي الأمير عبدالرحمن العبدالله الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير عمرو بن محمد الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير بندر بن خالد الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سعود الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبدالرحمن الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن تركي الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير تركي بن سعد الفيصل، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن بندر الفيصل، إلى جانب أصحاب المعالي الدكتور خالد بن عبدالله السبتي، والأستاذ الدكتور اسماعيل محمد البشري، والدكتور نبيل عبدالقادر كوشك.

خدمة الإسلام: بين “يد تبني” و”لسان يذود”
في فرع “خدمة الإسلام”، تجلت حكمة الجائزة في الجمع بين “العمل الميداني” و”الجهاد الفكري”. فقد نال الجائزة الشيخ عبداللطيف الفوزان (السعودية)، رجل الخير الذي حول العطاء إلى “مؤسسة مستدامة”؛ من عمارة المساجد عبر “جائزة الفوزان”، إلى مراكز التوحد، وأكاديميات تطوير القطاع غير الربحي، مقدماً نموذجاً للتنمية المجتمعية. وشاركه الجائزة “حارس البلاغة” البروفيسور محمد محمد أبو موسى (مصر)، عضو هيئة كبار العلماء، الذي أفنى عمره في تبيان إعجاز القرآن، وعقد أكثر من 300 مجلس علمي في الأزهر الشريف، ليعيد لشباب الأمة اتصالهم بتراثهم اللغوي العريق.

الدراسات الإسلامية: إعادة اكتشاف “طرق التجارة”
وفي فرع الدراسات الإسلامية، الذي خصص لموضوع “طرق التجارة في العالم الإسلامي”، كرمت جائزة الملك فيصل قامات علمية أعادت رسم الخرائط التاريخية. ففاز البروفيسور محمد وهيب حسين (الأردن)، الذي لم يكتفِ بالكتب، بل نزل للميدان مكتشفاً “طريق الإيلاف” وموقع “المغطس” بدقة الـ GPS. وشاطره الجائزة المؤرخ الموسوعي البروفيسور عبدالحميد حسين حمودة (مصر)، صاحب الموسوعات الخمس في طرق التجارة، الذي قدم مسحاً شاملاً للطرق البرية والبحرية من الأندلس إلى الصين، محولاً التاريخ الاقتصادي إلى مادة حية.

اللغة العربية: “جسر” فرنسي نحو الأدب العربي
وفي لفتة تؤكد عالمية لغة الضاد، ذهبت جائزة “اللغة العربية والأدب” إلى المستشرق الفرنسي المنصف البروفيسور بيير باتريس مارسيل لارشيه. هذا العالم الذي قضى عقوداً يترجم “المعلقات” والشعر الجاهلي للفرنسية، مقدماً 350 عملاً بحثياً أثبتت أن الأدب العربي قادر على مخاطبة الوجدان الغربي، وجاعلاً من لغتنا جسراً للتواصل الحضاري لا حاجزاً.

الطب والعلوم: حلول لمعضلات العصر
وبعيداً عن الإنسانيات، ضربت جائزة الملك فيصل موعداً مع المستقبل. ففي الطب، توجت البروفيسورة سفيتلانا مويسوف (أمريكا)، العالمة التي غيرت وجه الطب الحديث باكتشافاتها حول ببتيد (GLP-1)، الأساس العلمي لأدوية السمنة والسكري الثورية (مثل أوزمبيك ومونجارو)، لتمنح الأمل لملايين المرضى. أما في العلوم، فقد فاز البروفيسور كارلوس كينيغ (أمريكا)، رئيس الاتحاد الرياضي الدولي السابق، الذي فككت معادلاته التفاضلية تعقيدات “ميكانيكا الموائع” و”الألياف الضوئية”، مانحاً البشرية أدوات لفهم الظواهر الطبيعية المعقدة.
إن إعلان أسماء الفائزين لعام 2026 ليس مجرد خبر عابر، بل هو رسالة من الرياض إلى العالم: أن التقدير الحقيقي هو ذاك الذي يذهب لمن يصنعون الحياة، ويحفظون الهوية، ويبنون المستقبل.


