بلاك كات 24 : الإمارات العربية المتحدة _ حسين خانصاحب ارتبط اسمه بمسيرة وطن ونهضته
حسين خانصاحب.. ذاك الاسم الذي ارتبط بمسيرة وطن ونهضته.. في لحظات الصمت المهيبة التي تلي رحيل العظماء، تودع دولة الإمارات العربية المتحدة واحداً من أبنائها البررة، ورجلاً من طراز فريد. لم يكن رحيله مجرد خبر في صفحات الاقتصاد، بل هو انطواء صفحة مضيئة من كتاب تاريخ وطن، صفحة كُتبت سطورها بعرق الكفاح، ومداد العطاء، وصدق الانتماء. حسين خانصاحب لم يكن مجرد مقاول بنى الحجر، بل كان إنساناً بنى جسوراً من المحبة والخير، وترك بصمات لا يمحوها الزمن في قلب كل من عرفه وفي ضمير أمة لا تنسى رجالها.

من شواطئ الشارقة إلى بناء صرح الاتحاد
في عام 1925، وعلى أرض الحيرة بالشارقة، أبصر النور طفل سيصبح اسمه مرادفاً للبناء والنهضة. نشأ حسين خانصاحب في زمن كانت فيه الحياة درساً يومياً في الصبر والكفاح. انطلق مسلحاً برؤية سبقت عصره، وعزيمة لا تعرف المستحيل. كانت عودته من باكستان، بعد أن نهل من العلم وأتقن لغات العصر، نقطة تحول ليس في حياته فحسب، بل في مسيرة وطنه. كان شاهداً ومشاركاً في اللحظات الأولى لتشكل الدولة، وكان من أوائل من آمنوا بحلم الاتحاد وسعوا لتحقيقه على أرض الواقع، فكان اسمه حاضراً بقوة في مشاريع حيوية سبقت قيام الدولة، وأبرزها جسر المقطع في أبوظبي، الذي لم يكن مجرد معبر، بل كان رمزاً للوصل وبداية حكاية مجد.
خانصاحب: اسم حُفر في أساسات النهضة
عندما نتحدث عن حسين خانصاحب، فإننا نتحدث عن شركة “خانصاحب” للمقاولات، تلك القلعة الاقتصادية التي حولها من شركة عائلية إلى صرح عملاق أصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد العمراني الإماراتي. لم تكن مشاريعه مجرد أبنية صماء، بل كانت شرايين حياة تدب في جسد الوطن؛ من طرق وجسور ربطت الإمارات السبع، إلى مستشفيات كانت حضناً للمرضى، ومدارس أضاءت عقول الأجيال. كان يؤمن بأن جودة البنيان هي انعكاس لقوة الأمة، فوضع اسمه على كل مشروع كشهادة على الإتقان والالتزام.
الأيادي البيضاء: عندما يسبق العطاء ضجيج الأعمال
لكن خلف صورة رجل الأعمال الصارم والمقاول الناجح، كان يكمن قلب كبير ينبض بالرحمة والإحسان. هذا هو الجانب الذي ربما لا يعرفه الكثيرون، ولكنه الجانب الأكثر إشراقاً في سيرته. كان حسين خانصاحب أيقونة حقيقية للخير، بنى في الخفاء ما هو أعظم وأبقى مما بناه في العلن. كانت أعماله الإنسانية والخيرية فلسفة حياة، يؤمن من خلالها بأن النجاح الحقيقي هو في القدرة على العطاء.

امتدت أياديه البيضاء لتربت على كتف اليتيم، وتواسي الأرملة، وتعين الأسر المتعففة. أسهم بسخاء في بناء المساجد ودور العبادة، ودعم المبادرات المجتمعية التي تهدف إلى التكافل والتراحم. لم يكن عطاؤه موسمياً أو مرتبطاً بالمناسبات، بل كان نهراً جارياً من الخير لا يتوقف. كان يرى في مساعدة المحتاج واجباً وطنياً وإنسانياً، ففتح بابه وقلبه للجميع، مجسداً أسمى معاني الكرم الإماراتي الأصيل، ومطبقاً لقوله تعالى “وفي أموالهم حق للسائل والمحروم”.

نعي القيادة: شهادة وطن في حق رجل استثنائي
إن أصدق تعبير عن مكانة رجل وقيمته، هو ما تقوله قيادته عنه. وقد جاء نعي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ليضع وساماً من التقدير والعرفان على مسيرة الراحل العطرة. كلمات سموه لم تكن مجرد تعزية، بل كانت شهادة تاريخية تلخص حياة رجل عظيم:
“رحم الله رجل الأعمال حسين خانصاحب وأسكنه فسيح جناته، أسهم في نهضة الإمارات وسعى في أعمال الخير والعطاء من خلال مشاريعه المجتمعية والإنسانية، خالص العزاء والمواساة إلى أسرته.”
هذه الكلمات تختزل كل شيء؛ “أسهم في نهضة الإمارات” تقديراً لدوره التنموي، و”سعى في أعمال الخير والعطاء” شهادة على إرثه الإنساني الخالد. إنه التكريم الأسمى من قائد وطن لرجل عاش ومات في خدمة هذا الوطن.

رحل حسين خانصاحب، لكن إرثه يبقى شاهداً على مسيرته. يتجسد هذا الإرث في صروح عمرانية وطرق حيوية تشكل اليوم عصب الحياة في الدولة، وفي مبانٍ تروي قصة النهضة، والأهم من ذلك، يبقى في قيم العطاء والإخلاص والوطنية التي غرسها. لقد ترك درساً بأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست بما يجنيه من مال، بل بما يتركه من أثر طيب في حياة الناس. اليوم، تفقده الإمارات كأحد أعمدتها، لكنها تحتفي بسيرته كنموذج ملهم للأجيال القادمة.


