بلاك كات 24 : لايبزيغ ، ألمانيا _ لكل فارس لحظة يترجل فيها عن صهوة جواده، لا لينهي رحلته، بل ليسلم الراية لفارس جديد يواصل المسيرة. هذه هي الصورة الإنسانية البليغة التي يرسمها مهرجان DOK Leipzig العريق، أقدم مهرجان للأفلام الوثائقية والرسوم المتحركة في العالم، مع الإعلان عن تولي ألكساندرا (أولا) شتازل منصب مديرة المهرجان.

فبعد مداولات مكثفة، أوصت لجنة اختيار بقيادة الدكتورة سكادي ينيكه، نائبة عمدة لايبزيغ للفنون والثقافة، بهذا القرار الذي حظي بمباركة مجلس الإشراف وعمدة المدينة بوركهارد يونغ، ومن المتوقع أن يصوت عليه مجلس المدينة في جلسته يوم 29 أكتوبر. لكن خلف هذا الخبر، تكمن قصة مؤثرة عن قائد نبيل هو كريستوف تيرهيشته، الذي اختار أن ينهي رحلته قبل الأوان، ليسلم الأمانة بنفسه.

كريستوف تيرهيشته: سنوات من العطاء تنتهي بلفتة لا تُنسى
لم يكن كريستوف تيرهيشته مجرد مدير لمهرجان، بل كان الروح التي قادته بحكمة وشغف، وحافظ على مكانته كمنارة للأصوات الجريئة والقصص التي تحتاج أن تُروى، حيث يعرض المهرجان سنويًا حوالي 200 عمل فني ذي أهمية اجتماعية. قراره بإنهاء فترة ولايته في 31 يناير 2026، أي قبل عامين من الموعد المخطط له، “لأسباب شخصية” هو قرار شجاع يستحق كل الاحترام، فهو يذكرنا بأن خلف كل قائد فني، إنسان له أولوياته وحياته.

لكن اللفتة الأكثر تأثيرًا وإنسانية هي إصرار تيرهيشته على أن يكون عضوًا فاعلًا في لجنة الاختيار التي ضمت أعضاء مجلس الإشراف ومستشارين وخبراء مرموقين من صناعة السينما لاختيار خليفته. لم يغادر السفينة، بل ظل واقفًا على سطحها ليضمن اختيار الربان الجديد الذي سيقودها بأمان، وليقرر أن يعمل مع أولا شتازل جنبًا إلى جنب في يناير 2026 لضمان انتقال سلس وهادئ. إنه درس في القيادة الحقيقية، حيث لا يكون الهدف هو المنصب، بل هو استمرارية الرسالة والإرث.

أولا شتازل: رؤية فنية وإرث ممتد
وفي هذا السياق، يأتي اختيار أولا شتازل ليس مجرد قرار إداري، بل هو اختيار للوريثة الطبيعية لروح المهرجان. بخبرتها الممتدة لأكثر من 25 عامًا في المشهد السينمائي، أثبتت شتازل أنها لا تملك فقط الرؤية الفنية، بل والقلب الذي يفهم أهمية السينما كجسر بين الثقافات. فمنذ عام 2011، كرست جهدها لمهرجان نايسه السينمائي في المثلث الحدودي بين ألمانيا وبولندا والتشيك، والذي حولته تحت قيادتها إلى منصة دولية مرموقة.

مسيرتها حافلة بالمبادرات الملهمة؛ فقد أسست مهرجان السينما المتنقلة “The Rolling Movies”، وامتدت خبرتها لتكون عضوًا في لجنة تحكيم هيئة تقييم الأفلام الألمانية (FBW) المرموقة من 2014 إلى 2025. كما ساهمت في رسم السياسات الثقافية كعضو في المجلس الاستشاري للأفلام لمؤسسة ساكسونيا الثقافية، وكمؤسس مشارك لشبكة الأفلام الألمانية الصربية “Łužycafilm”. وكما قالت الدكتورة سكادي ينيكه: “إنها معروفة بتركيزها على قضايا أوروبا الشرقية، وهذا سيحمل إرثًا لطالما كان DOK Leipzig يركز عليه”.

لقاء يجمع الماضي بالمستقبل
وفي لحظة رمزية بالغة الجمال، سيجتمع كريستوف تيرهيشته وأولا شتازل معًا في حوار مفتوح للجمهور يوم 30 أكتوبر، في تمام الساعة 11:30 صباحًا في منتدى Zeitgeschichtliches بمدينة لايبزيغ، والدعوة عامة ومجانية. لن يكون هذا مجرد لقاء، بل سيكون مشهدًا مؤثرًا لتسليم الراية، حيث يتحدث الماضي بكل فخر عن إنجازاته، ويسلم الأمانة للمستقبل بكل أمل وثقة.

إن ما يشهده DOK Leipzig اليوم هو أبعد من مجرد تغيير إداري سيمتد مبدئيًا لخمس سنوات؛ إنه فصل مؤثر في حكاية مؤسسة عريقة، يكتبه قائد نبيل آثر أن يترك بصمته الأخيرة في حسن اختيار من سيخلفه. فبرحيله المبكر، لم يترك كريستوف تيرهيشته فراغًا، بل ترك درساً في العطاء ونكران الذات. وأهلاً بالقائدة الجديدة أولا شتازل التي لا تحمل على عاتقها مجرد منصب، بل أمانة الحفاظ على هذا الإرث الفني والإنساني، ومواصلة رسالة المهرجان في أن يكون صوتًا للحقيقة ونافذة للإنسانية.


