وداعاً “سيدة القلوب”.. وفاة دام ماري بشير عن 95 عاماً: رحلة حياة من الطب النفسي إلى قمة الحكم في أستراليا
بلاك كات 24 : أستراليا _ في لحظات الوداع الأليمة، تتوقف عقارب الزمن لتكرم أرواح العظماء الذين لم يبنوا القصور، بل بنوا الجسور بين القلوب. وهكذا رحلت عن عالمنا اليوم، 20 يناير 2026، السيدة العظيمة البروفيسورة الدكتورة دام ماري بشير (Professor The Honourable Dame Marie Bashir)، أيقونة أستراليا الإنسانية، وأول امرأة تتولى منصب حاكمة ولاية نيو ساوث ويلز، تاركة خلفها سيرة عطرة تفوح بالكرامة والرحمة.

الخبر الذي أعلنه رئيس وزراء الولاية كريس مينز نيابة عن عائلتها، نزل كالصاعقة المغلفة بحزن عميق على قلوب الملايين؛ فاليوم لم تفقد أستراليا مجرد مسؤولة رسمية، بل ودعت رمزاً للتفاني وصفه الكثيرون بـ “الكنز الوطني”، بعد مسيرة امتدت لـ 95 عاماً من العطاء المتواصل.
كلمات الوداع الرسمية.. رسالة حب لـ دام ماري بشير
لم يكن إعلان رئيس الوزراء كريس مينز مجرد بيان بروتوكولي جاف، بل كان شهادة حب ووفاء من شعب بأكمله تجاه دام ماري بشير. قال مينز في نعيه المؤثر: “نيابة عن عائلة الفقيدة، يؤسفني أن أشارك خبر رحيلها”. واستعاد في كلماته ذكريات من وصفها حرفياً بـ “أسترالية استثنائية”، كانت زوجة محبة للسير نيكولاس شحادة لمدة 61 عاماً، وأماً حنونة لثلاثة أبناء، وجدة لستة أحفاد، مؤكداً أنها كانت واحدة من أكثر الخدم العامين احتراماً في تاريخ نيو ساوث ويلز.
وفي لفتة تكشف معدن دام ماري بشير الأصيل، أشاد مينز بتواضعها الفريد؛ حيث رفضت تمديد فترتها كحاكمة، التي استمرت لأكثر من 13 عاماً (تحديداً من مارس 2001 إلى أكتوبر 2014)، لسبب إنساني نبيل، وهو ألا تتجاوز الرقم القياسي للسير رودن كاتلر، احتراماً لتاريخه. وأعلن مينز رسمياً إقامة “جنازة دولة (State Funeral)” تليق بمقامها، تعبيراً عن الثقة والمودة الهائلة التي كسبتها.
من “نارانديرا” إلى القمة.. قصة كفاح دام ماري بشير
ولدت ماري روزلين بشير في الأول من ديسمبر 1930 في بلدة “نارانديرا” الريفية، لأبوين مهاجرين من لبنان، لتبدأ رحلة ملهمة أثبتت فيها أن الأحلام لا تعترف بالحدود. كانت دام ماري بشير أول شخص من أصل لبناني وعربي يصل إلى أرفع المناصب في أستراليا، مما جعلها منارة للأمل ورمزاً للاندماج الناجح في مجتمع متعدد الثقافات.
نشأت في بيئة متواضعة، وتسلحت بالعلم في مدرسة سيدني الثانوية للبنات، ثم درست الطب في جامعة سيدني، حيث اختارت تخصصاً صعباً وإنسانياً في آن واحد: “الطب النفسي”، مركزة جهودها على صحة الأطفال والمراهقين والسكان الأصليين، لتبدأ مسيرة علاج الأرواح قبل إدارة الولايات.

أيقونة الرحمة والدفاع عن المهمشين
لم تكن دام ماري بشير حاكمة تجلس في الأبراج العاجية، بل كانت “طبيبة الشعب”. بدأت مسيرتها في الستينيات كاستشارية في خدمات الصحة النفسية، وكرست حياتها لخدمة السكان الأصليين (Aboriginal communities) في مناطق مثل “ريدفيرن” و”كيمبسي”. شغلت منصب عميدة جامعة سيدني (Chancellor) من 2007 إلى 2012، لتكون أول امرأة في هذا الدور أيضاً، مساهمة في تعزيز التعليم والعلاقات الدولية.
وعندما عُينت في عام 2001 كأول امرأة تتولى حكم نيو ساوث ويلز، حولت منصبها إلى منصة للدفاع عن القضايا الإنسانية. التقت دام ماري بشير خلال فترتها بملوك وباباوات ورؤساء، لكن قلبها ظل معلقاً بالبسطاء، واللاجئين، وقضايا الصحة النفسية. امتدت أياديها البيضاء إلى خارج الحدود، خاصة فيتنام، حيث رعت مشاريع طبية ريفية عززت من روابط أستراليا الدولية.

أوسمة ملكية تشهد على العظمة
توجت مسيرة دام ماري بشير بأرفع الأوسمة التي تشهد على عظمتها بتسلسل تاريخي مشرف؛ حيث بدأت بضابطة وسام أستراليا (AO) عام 1988، ثم رُقيت إلى رتبة رفيقة (AC)، وصولاً إلى اللقب الأرفع “دامة وسام أستراليا” (AD) عام 2014. كما حظيت بتقدير ملكي خاص، حيث منحتها الملكة الراحلة إليزابيث الثانية شخصياً رتبة “قائدة وسام فيكتوريا الملكي (CVO)”، تقديراً لخدماتها الاستثنائية للتاج وللشعب.

الرحيل الهادئ.. وإرث خالد
على الصعيد الشخصي، عاشت دام ماري بشير قصة حب دافئة مع زوجها السير نيكولاس شحادة (رئيس بلدية سيدني الأسبق، والمنحدر أيضاً من أصول لبنانية) استمرت لأكثر من ستة عقود حتى وفاته عام 2018. كانت توازن ببراعة بين هيبة المنصب ودفء الأمومة، متحدثة دائماً بحنان عن أسرتها التي كانت ملاذها الآمن.
اليوم، رحلت دام ماري بشير في سلام عن عمر ناهز 95 عاماً، في وفاة طبيعية هادئة تشبه حياتها الراقية. رحلت بجسدها، لكن روحها ستظل ترفرف فوق سماء سيدني، وتاريخها سيبقى محفوراً كشاهد على أن المرأة العربية قادرة على القيادة، وأن “الرحمة” هي اللغة الوحيدة التي لا تموت.


