الأوروغواي تودع أيقونتها إثر رحيل الفنان Ruben Rada في مشهد مهيب يمزج بين الحزن وإيقاعات الأجداد
بلاك كات 24 : الأوروغواي _توفي الفنان الأوروغواياني الشامل روبن عمر رادا سيلفا (Omar Rubén Rada Silva)، المعروف شعبياً باسم روبن رادا (Ruben Rada) أو El Negro Rada، يوم الأربعاء 26 أغسطس 2026 في الساعة الثالثة والنصف عصراً بالعاصمة Montevideo، عن عمر يناهز 83 عاماً. وُلد في 16 يوليو 1943 في Montevideo، ونشأ في بيئة شديدة التواضع في أحيائها الجنوبية المرتبطة بموسيقى Candombe، ليصبح لاحقاً أحد أهم أعمدة الموسيقى الشعبية في بلاده وأبرز سفراء الثقافة الأفرو-أوروغوايانية في العالم. جاء رحيل الفنان Ruben Rada بعد صراع دام شهراً كاملاً مع التهاب رئوي ثنائي الجانب؛ إذ أُدخل المستشفى في الرابع من أغسطس، قبل أن تتفاقم المضاعفات رغم جهود الفريق الطبي الذي شكرته عائلته علناً.

إرث Candombe وبدايات المسيرة الفنية
يُعتبر Ruben Rada فناناً متعدد المواهب: مغنياً، وملحناً، وعازف إيقاع، وممثلاً، ومقدم برامج. ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بموسيقى Candombe، الإيقاع التقليدي ذو الجذور الأفريقية الذي وصل إلى الأوروغواي مع تجارة العبيد عبر الأطلسي. لم يكتفِ بالحفاظ عليه، بل أخرجه من الحي إلى الهوية الوطنية ثم إلى العالمية، حين دمجه بالروك والجاز والبوب وموسيقى Murga من دون أن يفصله عن جذوره، وهو ما جعل رحيل الفنان Ruben Rada يمثل فقداناً لقامة ساهمت في تشكيل الوجدان الثقافي لأمريكا اللاتينية.
بدأ مسيرته طفلاً بالغناء في فرق محلية مثل Morenada و La Nueva Milonga، ثم انضم إلى أوركسترا Pedro Ferreira، وعمل مغنياً في The Hot Blowers تحت الاسم المستعار Richie Silver. في عام 1965 شارك في تأسيس فرقة El Kinto مع Eduardo Mateo، حيث وُلد “candombe beat”: ذلك الدمج الجريء بين طبول Candombe والروك الذي غيّر مسار الموسيقى في حوض Río de la Plata. امتد إرثه مع Totem في السبعينيات، ثم مع فرقة الجاز والروك Opa إلى جانب الأخوين Fattoruso في الولايات المتحدة.

محطات فنية وموسيقية لا تُنسى
أصدر ألبومه المنفرد الأول عام 1969 وتضمن أغنيته الشهيرة “Las Manzanas”. وفي الثمانينيات استقر فترة خصبة في الأرجنتين أثمر خلالها أعمالاً بارزة مثل “La Yapla Mata” وأغنيته الخالدة “Candombe para Gardel”. سجّل على مدار أكثر من ستة عقود ما يزيد على أربعين ألبوماً تنقلت بين الجاز اللاتيني و Murga وموسيقى العالم. وفي سنوات الألفين حقق نجاحات واسعة بأغانٍ صارت جزءاً من الذاكرة الجمعية، أبرزها “Quién va a cantar” و “Muriendo de plena” و “Cha Cha Muchacha” و “Mi país” التي تُغنّى حتى في المدارس، والتي تصدرت البث الإذاعي بكثافة فور إعلان خبر رحيل الفنان Ruben Rada.
لم تتوقف إسهاماته عند الموسيقى. شارك في برامج كوميدية منذ الستينيات مثل El Show del Mediodía، ومثّل في مسلسلات منها “Gasoleros”، وقدم أعمالاً مسرحية وموسيقية للأطفال بشخصية Rubenrá، وكان حكماً في برنامج La Voz Uruguay. نال جائزة Gardel عام 2007 كأفضل فنان روك صاعد عن ألبوم شخصية Richie Silver، ولُقّب مواطن شرف في Montevideo عام 2008، وتُوّج بجائزة Latin Grammy للتميز الموسيقي عام 2011.
عطاء مستمر وإبداع حتى اللحظات الأخيرة
حتى أسابيع مرضه ظل يعمل بشغف. في 2023 احتفل بعيد ميلاده الثمانين بحفلات نفدت تذاكرها. وفي 2025 أصدر مشروع “Gamurgatrónica” الذي مزج Candombe و Murga بالإلكترونيك، وشارك في حفل حكومي بمناسبة مئويتي استقلال الأوروغواي، كما ظهر فيلمه الوثائقي “Rada, la película”. مع بداية 2026 شارك في مهرجان Canelones Suena Bien، وكان يجهّز ألبوماً مع Los Auténticos Decadentes، وحفلتين مع البرازيلي Chico César في بوينس آيرس، وإحياءً لفرقة Totem في أكتوبر على مسرح Sodre. وفي يوم ميلاده الثالث والثمانين أطلق سلسلته السمعية البصرية “¿Quién va a cantar؟”، وكان أول حلقاتها مع فرقة La Vela Puerca. وقبل مرضه، دخل عالم البث الرقمي وتعاون مع فنان الراب الأرجنتيني Trueno، ليؤكد أن شغفه الإبداعي لم ينطفئ حتى قبيل رحيل الفنان Ruben Rada.

تفاصيل الجنازة والوداع الشعبي الاستثنائي
أعلنت حكومة الرئيس Yamandú Orsi حداداً رسمياً ليوم الخميس 27 أغسطس، رُفعت خلاله الأعلام بنصف السارية على المباني العامة والسفارات والثكنات. أُقيم العزاء المفتوح في Salón de los Pasos Perdidos داخل القصر التشريعي من الثانية ظهراً حتى التاسعة مساءً. حضر الرئيس Orsi الذي وصفه بأنه “قريب جداً من الناس… آلة حكايات”، ووزير التعليم والثقافة José Carlos Mahía الذي قال إنه صار “أسطورة للأوروغواي” و”سفيراً ثقافياً”. تذكر Orsi أيضاً قرب Rada من الرئيس الراحل José Mujica في أيامه الأخيرة، وكيف كان “يرفع معنوياته”.
حضرت زوجته Patricia Jodara وأبناؤه الثلاثة Lucila و Matías و Julieta، إلى جانب فنانين كبار منهم Natalia Oreiro و León Gieco و Ricardo Mollo و Dante Spinetta و Jorge Nasser. لم يكن الوداع صامتاً. غنّى الحاضرون “Blumana” ثم “Muriendo de plena”، ورقصوا أمام النعش تنفيذاً لحرف أغنيته: “عندما أموت لا أريد بكاءً ولا حزناً… أفضل أن يُقام عزائي وأنا أُودَّع بـ Plena غنية”. وضع شباب تفاحاً بجانب التابوت تذكاراً لـ “Las Manzanas”. وفي الشارع، تجمهر الآلاف وقارعو الطبول تلقائياً منذ مساء الأربعاء في Isla de Flores بحي Barrio Sur، قلب Candombe وطفولة Rada، ليودّعوه بالإيقاع الذي عاش به.
اليوم الجمعة 28 أغسطس، ينطلق الموكب الجنائزي الساعة الحادية عشرة صباحاً بتوقيت Montevideo من تقاطع Isla de Flores و Santiago de Chile، المكان المرتبط بطفولته، متجهاً إلى Cementerio del Norte. ليس رحيل الفنان Ruben Rada نهاية أغنية، بل امتداداً لها: الرجل الذي أخرج طبول أفريقيا من الحارة إلى العالم، طلب أن يُودَّع راقصاً… وهو يُودَّع كذلك.

