في إطار التحضيرات للدورة الـ 77 لمهرجان برلين السينمائي الدولي.. كيف يستثمر سوق الفيلم الأوروبي طاقات السينما الأفريقية؟
بلاك كات 24 : ألمانيا _أعلنت إدارة مهرجان برلين السينمائي الدولي عن اختيار جمهورية جنوب أفريقيا لتكون “الدولة تحت الضوء” الرسمية خلال الدورة المقبلة من سوق الفيلم الأوروبي (European Film Market)، المصاحب للنسخة السابعة والسبعين من المهرجان والتي ستعقد في الفترة من 10 إلى 16 فبراير لعام 2027. ويأتي هذا الإعلان التوثيقي ليتوج مسيرة تاريخية ممتدة من التعاون الإبداعي البنيوي بين السينما في جنوب أفريقيا والمحفل الألماني العريق؛ إذ يرجع هذا الارتباط إلى عقود مضت شهدت حضوراً منتظماً للأفلام والكوادر الأفريقية في المسابقات الرسمية والأسواق الموازية، ولعل أبرز محطاتها التاريخية فوز فيلم “كارمن في خايليتشا” (U-Carmen eKhayelitsha) للمخرج مارك دورنفورد-ماي بجائزة الدب الذهبي عام 2005، كأول منجز سينمائي من جنوب أفريقيا ينال هذه الحظوة الدولية الرفيعة. وأكدت تريشيا تاتل، مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، أن هذا الاختيار يجسد الحيوية الاستثنائية التي تتمتع بها هذه السينما، ممتدحةً قدرة صناع الأفلام هناك على صياغة قصص قوية تعبر عن الهوية الإنسانية وتحمل صدى عالمياً قادراً على تشكيل الحوارات الجمالية الدولية. ويمثل هذا الاختيار فرصة استراتيجية لتسليط الضوء على بنية تحتية سينمائية متطورة تتمتع بها جنوب أفريقيا، باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصاديات تنوعاً وتكاملاً في القارة الأفريقية، حيث تجمع بين الكفاءات البشرية المبدعة، والفرق الفنية المحترفة، فضلاً عن التنوع الجغرافي والمناخي الهائل الذي يجذب كبرى شركات الإنتاج العالمية للتصوير بين المدن الحديثة، والسواحل الممتدة، والمحميات الطبيعية، مما يجعل من المنصة الألمانية فضاءً محورياً لتعميق الشراكات بين المستثمرين الدوليين والكوادر الوطنية.

بين الهوية الثقافية والفرص الاستثمارية: آفاق الشراكة الدولية في سوق الفيلم الأوروبي لتعزيز الإنتاج المشترك
وفي سياق الأبعاد الاقتصادية والمهنية لهذا التتويج، أشارت تانيا مايسنر، مديرة قطاع “برليناله برو”، إلى أن مبادرة “الدولة تحت الضوء” التي انطلقت منذ عام 2017 واستضافت دولاً بارزة مثل المكسيك وكندا والنرويج وإسبانيا والمغرب، تسعى في نسخة عام 2027 إلى تحويل التميز الثقافي لجنوب أفريقيا إلى فرص استثمارية ملموسة داخل سوق الفيلم الأوروبي، من خلال ربط المنتجين والموزعين والمنصات الرقمية العالمية بالموارد الفنية الغنية التي تزخر بها القارة السمراء. ومن جانبه، أوضح وزير الرياضة والفنون والثقافة في جنوب أفريقيا، غايتون ماكنزي، أن هذا التواجد الدولي يتجاوز مجرد الاعتراف بالقيمة الفنية ليصل إلى كونه دعوة مفتوحة لبناء شراكات إنتاجية واستثمارية طويلة الأمد، مدعومة بالتزام حكومي كامل بتذليل العقبات الهيكلية التي واجهت السينمائيين في السابق لتمكينهم من الإنتاج على نطاق تجاري واسع ومستدام، مستشهداً بأعمال معاصرة نجحت في الوصول إلى الجمهور العالمي بمختلف طبقاتها الإبداعية مثل فيلم “القلب عضلة” (The Heart Is a Muscle). وفي ذات السياق، أكدت أونكي دوميكو، الرئيسة التنفيذية بالإنابة للمؤسسة الوطنية للسينما والفيديو (NFVF)، أن هذه المنصة الدولية تأتي في توقيت جوهري تخضع فيه آليات السرد السينمائي لاختبارات بالغة الدقة بفعل التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، مما يفرض تقديم قصص توازن بعمق بين الحقيقة والأمل، مشيرة إلى أن المؤسسة ستواصل توفير الدعم والوصول إلى المحافل الدولية الكبرى لضمان تدفق السرديات الأفريقية الأصيلة بمختلف قوالبها، من سينما المؤلف والأفلام الوثائقية إلى الرسوم المتحركة والمسلسلات التجارية، مما يرسخ دور السينما كرافعة اقتصادية وهوية معرفية قادرة على الاشتباك الإيجابي مع المجتمع الدولي من خلال منصة سوق الفيلم الأوروبي الرسمية.


