بلاك كات 24 : خيخون، إسبانيا _ في أقصى شمال إسبانيا، على الساحل الوعر لإقليم أستورياس، تتربع مدينة خيخون (Gijón/Xixón) كقلعة خضراء تواجه هدير المحيط الأطلسي. ولأن تغطية “بلاك كات 24” لمهرجانها السينمائي تقتضي فهم روح المكان، فإننا نغوص اليوم في عبقرية مدينة خيخون التي لا تشبه غيرها.

تمتد جذور مدينة خيخون إلى ما هو أعمق من التاريخ الروماني، حين كانت مستوطنة قبلية للأستوريين. لكن الرومان أسسوا “جيجيا” كنقطة عسكرية في القرن الأول ق.م، وبقايا حمّاماتها في “كامبو فالديس” تحت تل سانتا كاتالينا لا تزال شاهدةً على طبقات الزمن.

كان الميناء، ولا يزال، هو شريان مدينة خيخون النابض. ففي العصور الوسطى، كان درعاً لمملكة أستورياس الناشئة. لكن التحول الأكبر جاء في القرن التاسع عشر. فبفضل مناجم الفحم القريبة، انفجرت فيها ثورة صناعية مبكرة. هذا الميناء “إل موسيل” هو الذي شكّل الهوية العمالية للمدينة، حين امتزج دخان مصانع الصلب والسفن بملوحة البحر، وتشكلت هوية المدينة الكادحة، وتوسعت بامتصاص المهاجرين الباحثين عن فرصة.
وككل المدن ذات الشخصية المركبة، عرفت مدينة خيخون كيف تعيد اختراع نفسها. بعد قصف الحرب الأهلية وأفول الصناعات الثقيلة، نفضت غبار الفحم وارتدت ثوب الثقافة والسياحة، فرُمِّم الحي القديم وتحولت المصانع إلى مراكز فنية.

واليوم، تقدم مدينة خيخون نفسها كلوحة متكاملة يسكنها تقريباً 270 ألف نسمة. يتجلى هذا التحول في شاطئها الأيقوني “سان لورينزو” وحي “ثيماديفيا” (Cimadevilla) القديم ببيوته الملونة المعلقة فوق الصخور كأنها تتحدى المحيط. نراه في قصر “ريفيياخيخيدو” (Revillagigedo) المهيب، وفي التحفة المعمارية “جامعة لابورال”، أضخم مبنى في إسبانيا، والذي تحول من مؤسسة قديمة إلى مركز ثقافي ومسرحي ينبض بالحياة.

لكن الحجر لا يصنع المدينة، بل الروح. وهنا تتجلى الروح الأستورية الأصيلة: في الشوارع لا تزال تُسمع اللغة الأستورية (أو “البابلي” كما يحلو للأهالي)، وفي السيدريريات يُصبّ السيدرو من علوّ في طقس اجتماعي فريد، وعلى أنغام الغايتا والطبل تحتفل مدينة خيخون كل صيف بـ”الأسبوع الأسود” (Semana Negra) الذي بدأ عام 1987، ومهرجان السيدرو الطبيعي.

إن الروح الثقافية العميقة التي نحتتها التحولات التاريخية هي التي تجعل مدينة خيخون الأرض الخصبة لمهرجان سينمائي دولي بهذا الحجم والعمق.
من يَزُرْ مدينة خيخون مرة، يعلق في ذاكرته عبق الملح الممزوج بتاريخ المداخن القديمة، وصوت النوارس المختلط بالحياة على شاطئ سان لورينزو. إنها مدينة لا تُنسى، بل تُحفر في القلب، تماماً كما حفر التاريخ شخصيتها الفريدة على جرفها الأخضر.


