في ليلة وداع المسابقات الرسمية، ترسم فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي (IFFR 2026) مشهداً بانورامياً يجمع بين نوستالجيا التاريخ، صخب النجوم، واحتفاءً خاصاً بالسينما العربية
بلاك كات 24: روتردام،هولندا_ بعد ليلة عاصفة توجت فيها “النمور” أبطالها، استفاقت مدينة روتردام في صباح السبت 7 فبراير 2026 على إيقاع مغاير. لم يعد التوتر سيد الموقف، بل حلّ مكانه شغف الاكتشاف الفني الخالص. إن فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي الدولي لم تكن مجرد تمهيد لإسدال الستار، بل مثلت ذروة النضج الفني للدورة الخامسة والخمسين (The 55th Edition)، التي انطلقت في 29 يناير وتستعد لطي صفحتها الأخيرة غداً الأحد 8 فبراير. في هذا اليوم، تحولت قاعات Pathé و de Doelen و LantarenVenster إلى ساحات للنقاش الفكري، حيث التقت الرؤى الإخراجية من الشرق والغرب لتشكل لوحة فسيفسائية نادرة.

أصداء التتويج وظلال “النمور”
قبل الغوص في تفاصيل العروض الجديدة، ظلت أصداء ليلة الجمعة تتردد بقوة خلال فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي. الحديث في أروقة المهرجان لا يزال يتمحور حول استحقاق الفيلم الجنوب أفريقي Variations on a Theme للمخرجين Jason Jacobs و Devon Delmar لجائزة Tiger Award، وكيف انتصرت لغته الشعرية للهوية والذاكرة. كما نال الفيلم البنغالي Master للمخرج Rezwan Shahriar Sumit إشادات واسعة بعد فوزه بجائزة Big Screen Award، معتبراً وثيقة سينمائية جريئة تعري آليات السلطة، بينما احتفت الجماهير الآسيوية بفوز الفيلم الفلبيني i grew an inch when my father died بجائزة NETPAC.

الحضور العربي: وثيقة الذاكرة وملحمة الصورة
شكلت السينما العربية “العمود الفقري” للجانب الإنساني والسياسي ضمن فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي، حيث فرضت سرديتها بقوة الفن والحقيقة:
فلسطين.. التاريخ الحي: في عرض كامل العدد (Sold Out)، قدمت المخرجة الكبيرة Annemarie Jacir تحفتها السينمائية Palestine 36. الفيلم ليس مجرد عمل تاريخي، بل هو وثيقة بصرية مذهلة تعيد بناء حقبة الثلاثينيات، راصدةً الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني بلغة بصرية تجمع بين الدقة التوثيقية والشاعرية الإنسانية، مما جعله أحد أهم الأحداث في هذا اليوم.
مصر.. احترافية “البلوك باستر”: وفي سياق متصل، واصلت السينما المصرية حضورها الطاغي عبر الملحمة التاريخية Kira & El Gin للمخرج المتميز مروان حامد. الفيلم، الذي يتناول المقاومة الوطنية في عام 1919، قُدم للجمهور الغربي كنموذج للسينما الجماهيرية ذات الجودة الفنية العالية، حيث أشاد الحضور بقدرة “حامد” على ضبط إيقاع ملحمي يضاهي الإنتاجات العالمية.

قامات السينما العالمية في “السبت الكبير”
ازدحمت جداول العروض بأسماء ثقيلة جعلت من فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي وليمة دسمة لعشاق الفن السابع:
فلسفة الصورة: قدم المخرج الفرنسي Olivier Assayas فيلمه السياسي The Wizard of the Kremlin، مستعيناً بأداء تمثيلي رفيع من النجمين Paul Dano و Jude Law لتفكيك خبايا السلطة المطلقة.
شاعرية الزمن: وفي تجربة حسية فريدة، عرضت المخرجة Ildikó Enyedi فيلمها Silent Friend، حيث تألق الأسطورة Tony Leung Chiu-wai في سردية تتجاوز حدود الزمن، تربط ثلاث حقب تاريخية عبر شجرة “جينكو” معمرة.
لقاء العمالقة: ولعشاق الإثارة، كان الموعد مع The Shadow’s Edge، الذي جمع أيقونتي السينما الآسيوية Jackie Chan و Tony Leung Ka Fai في عمل يمزج الأكشن بالدراما التاريخية.

مسك الختام: “بازار” الغموض والاحتفال
مع حلول المساء، تتوجه الأنظار صوب فيلم الختام الرسمي (Closing Night Film) الذي يتوج فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي. وقع اختيار إدارة المهرجان على الفيلم الفرنسي Bazaar (Murder in the Building) للمخرج Rémi Bezançon. العمل، الذي ينتمي لفئة “الكوميديا السوداء والإثارة”، ليشكل ختاماً خفيف الظل وعميق المعنى، حيث يحتفي بشغف السينما وقدرتها على جمع الغرباء، ليعقب العرض حفل Closing Night Party الذي يجمع صناع الأفلام بالجمهور في وداع يليق بتاريخ المهرجان.
“بلاك كات24”: التغطية مستمرة والعدسات لا تنام
قد يظن البعض أن انتهاء حفل الختام يعني إسدال الستار النهائي، لكن فعاليات اليوم العاشر لمهرجان روتردام السينمائي ليست المشهد الأخير. المهرجان لا يزال يتنفس سينما؛ حيث يخصص يوم غدٍ الأحد 8 فبراير لعرض “درر المهرجان” والأفلام الفائزة لمن فاتته الفرصة. “بلاك كات24” لا يزال مرابطاً في موقعه بقلب الحدث، ليوافيكم غداً بالمشهد الختامي للدورة 55، ورصدٍ حي لأجواء وداع الجمهور للقاعات قبل أن تنطفئ الشاشات.


