بلاك كات 24 : خيخون، إسبانيا _ تواصل عدسة “بلاك كات 24” غوصها العميق في مهرجان خيخون السينمائي (FICX). ونحن في اليوم الرابع (17 نوفمبر)، يتجاوز الحدث كونه مجرد عروض ليتحول إلى ساحة فكرية تناقش فلسفة السينما المعاصرة ومستقبل الصورة.

البابا، ألبرت سيرا، و”الحصن الأخير للجمال”
في لقاء تاريخي ضمن “بودكاست روجر كوزا”، اجتمع العملاقان، الكاتالوني ألبرت سيرا والأرجنتيني ليساندرو ألونسو (المكرّم بجائزة الشرف)، لتشريح واقع الصناعة. النقاش بدأ من “الرسائل السينمائية” المتبادلة بينهما، والتي كشفت تباين أساليبهما: سيرا يصور 400 ساعة وينحت فيلمه في المونتاج، بينما ألونسو يصور “بتقشف” صارم. كانت فلسفة المعاصرة للسينما حاضرة في حديثهم.

لكن المفاجأة كانت كشف سيرا عن خطاب للبابا في روما، وصفه بأنه “دفاع ماجيستيرالي” عن قاعات السينما. البابا اعتبر السينما “آخر معاقل الحرية والشعر والجمال”، منتقداً منصات البث (Streaming) لكونها “تعليمية وخادمة لمصالح معينة”. اتفق المخرجون على أن فلسفة السينما المعاصرة تواجه خطر “القيمة الإنتاجية” التي تقتل الإبداع وتضع المنتجين فوق المخرجين.

فالهيلم ساسنال: الحداثة ولدت من “العبودية الطوعية”
في زاوية أخرى، قدم الفنان البولندي فالهيلم ساسنال فيلمه “The Assistant”. العمل هو اقتباس راديكالي لرواية “روبرت فالسر”، ينقل بطلها من الحاضر إلى عام 1908. يرى ساسنال أن هذا التاريخ يمثل “ولادة العالم الجديد” والحداثة، لكنه يربطه بـ “هشاشة العمل” المعاصرة. الفيلم يطرح سؤالاً جوهرياً في فلسفة السينما الجديدة: هل الرغبة في الانتماء أقوى من الحرية؟ وهل نحن مستعدون للعبودية الطوعية مقابل الأمان؟

خافيير ماركو: من الشاشة الافتراضية إلى “الوجه الحقيقي”
وفي العرض العالمي الأول لفيلم “A la cara” (في وجهك)، ينقل المخرج خافيير ماركو الصراع من ساحات السوشيال ميديا السامة إلى الواقع الملموس. الفيلم، الذي يجمع “سونيا ألمارشا” و”مانولو سولو”، يتساءل: ماذا يحدث عندما يلتقي “الكاره” بضحيته وجهاً لوجه؟ وهل سينجح هذا اللقاء في التأثير على فلسفة السينما المعاصرة؟

أكد ماركو أن الفيلم ليس مجرد تمديد لفيلمه القصير، بل رحلة شفاء لشخصيتين محطمتين. هنا تتجلى السينما المعاصرة في قدرتها على تحويل العنف الافتراضي إلى مساحة “ضعف مشترك” ومصالحة إنسانية.

“الحلزون الأبيض”: الحب في المشرحة
اختتم الثنائي إلسا كريمر و ليفين بيتر النقاشات بفيلمهما “White Snail”. في بيلاروسيا المضطربة، تنشأ قصة حب بين عارضة ورسام يعمل في مشرحة. المخرجان أكدا أنهما لا يعترفان بالحدود بين الوثائقي والروائي، بل يبحثان عن “الارتعاش العاطفي” الحقيقي. الفيلم يوثق لحظات حقيقية (مثل رؤية جثة لأول مرة) ليرسم صورة لجيل كامل يواجه خيار “البقاء أو الرحيل”. تبرز فلسفة المعاصرة في السينما في تلك اللحظات الواقعية.
إن يوم الاثنين في خيخون أثبت أن السينما ليست ترفيهاً، بل هي الحصن الأخير للدفاع عن الجمال، الحقيقة، والإنسانية في وجه عالم يزداد قسوة. وتغطيتنا من “بلاك كات 24” مستمرة.


