بلاك كات 24 : خيخون ، إسبانيا _ هل يمكن لدار المسنين أن تكون مسرحاً للحياة الصاخبة، لا مجرد قاعة انتظار صامتة للنهاية المحتومة؟ وهل يجرؤ مخرج على النظر في وجوه من نسيناهم، لا بعين الشفقة، بل بعين الانبهار والتقديس؟ هذا التساؤل يطرحه بقوة فيلم الأرض تحت أقدامنا (The Ground Beneath Our).

ضمن فعاليات الدورة الـ63 من مهرجان خيخون السينمائي (FICX)، التي انطلقت في 14 نوفمبر وتستمر حتى 22 من الشهر الجاري، توقفت عدسة “بلاك كات 24” أمام فيلم الأرض تحت أقدامنا (The Ground Beneath Our Feet). في عرضه الإسباني الأول، يقدم لنا هذا الوثائقي الآيسلندي البولندي (82 دقيقة) إجابة بصرية مذهلة. المخرجة يرسا روكا فانبيرغ لا تحمل الكاميرا فقط، بل تحمل قلباً ينبض بالرحمة والانتماء؛ فهي لم تذهب لدار “Grund” كزائرة عابرة، بل عملت لسنوات كمقدمة رعاية هناك، تلمس أيديهم وتستمع لهمساتهم، مما منحها “تذكرة عبور” شرعية وحميمة إلى أرواح ساكنيه.

طقوس الوداع بلمسة “أنالوج” دافئة
بصوّرته الخام (16 ملم)، يكسر الشريط برودة الصورة الرقمية الحديثة، ليمنحنا ملمساً خشناً ودافئاً يشبه تجاعيد وجوه أبطاله. تذكرنا لغة فانبيرغ السينمائية هنا بأعمال الراحلة شانتال أكرمان في قدرتها على رصد الزمن وهو يمر ببطء، أو حتى بفيلم Amour لمايكل هاينيكي، لكن بنسخة أكثر حنانًا وتصالحاً مع القدر. تكشف لنا هذه الأفلام عن جوانب جديدة كما في فيلم الأرض تحت أقدامنا.

في فيلم الأرض تحت أقدامنا، الكاميرا لا تقتحم، بل ترافق. إنها توثق المعجزات الصغيرة: لمسة يد مرتجفة، أغنية قديمة تُدندن بصوت واهن، ونظرات تحمل تاريخاً طويلاً من الحب والفقد. لقد حولت المخرجة – مستلهمة من فلسفة آندي وارهول – هؤلاء السكان إلى “نجوم سينما”. نحن لا نرى مرضى، بل نرى كائنات بشرية كاملة، تحب وتغار وتتذكر، وتحاول التمسك بكرامتها الإنسانية حتى اللحظة الأخيرة.

هذه الحالة السينمائية الفريدة تعيد للأذهان فوراً الفيلم التشيلي الشهير “العميل السري” (The Mole Agent) الذي ترشح للأوسكار. ولكن، بينما بحث الفيلم التشيلي عن حبكة “بوليسية” خفيفة داخل الدار لشد الانتباه، فإن فيلم الأرض تحت أقدامنا يتخلى عن أي حبكة مصطنعة. إنه يراهن بجرأة على أن الحياة اليومية لهؤلاء المسنين، بكل ما فيها من رتابة ظاهرية، هي في الحقيقة ملحمة إنسانية كبرى تستحق المشاهدة.

وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في ندوة “وجهاً لوجه” التي عقدها المهرجان، حين جمعت المخرجة مع نظيرها ماتيو إيبارا (مخرج Camp d’Été). مفارقة بليغة بين فيلم يرصد صخب المراهقة وآخر يرصد هدوء الشيخوخة، ليكشفا أن الهشاشة الإنسانية واحدة، سواء في أول العمر أو في آخره، خاصة في مجتمعات معزولة تبحث عن الدفء.
الفيلم لا يهرب من الموت، بل يواجهه بشجاعة نادرة، كما في مشهد وداع الزوجة لزوجها، الذي يُدرس في أدب التعامل مع الفقد.

يتركنا هذا العمل الفذ أمام حقيقة ناصعة: إذا كانت الحياة نهراً يصب في البحر، فلماذا نخاف المصب؟ من هنا، يؤكد لكم موقع “بلاك كات 24” أن هذا الشريط ليس عن النهاية، بل هو احتفاءٌ بقدسية الرحلة ذاتها. إنه دعوة لأن نتحسس الأرض تحت أقدامنا الآن، ونمشي عليها بحب، قبل أن نصبح جزءاً منها. ويظهر هذا بوضوح في فيلم الأرض تحت أقدامنا.


