اغتراب النظرة في فيلم البرانية: رصد من مسافة وغياب للبناء العضوي
بلاك كات 24 : أحمد قرمد
في السينما التي تدّعي الانتماء إلى الأرض، كما هو الحال في فيلم البرانية، لا يكفي أن تُزرع الكاميرا وسط حقول من السنابل والياسمين ليكتسب العمل صدقه الداخلي. يُشترط أن يتحوّل المكان إلى قوة درامية تُنتج الصراع من داخله، لا إلى خلفية حسية مُفرغة تُدار حولها المشاهد حتى يستنفد الفيلم زمنه. وفي تجربتها الروائية الطويلة الأولى التي شهدت عرضها في مهرجان البندقية السينمائي 2026 ضمن قسم أيام المؤلفين / Giornate degli Autori، يضعنا فيلم البرانية للمخرجة الهولندية المصرية أشجان الهمص أمام عمل يعاني من ارتباك بنيوي حاد؛ حيث يتأرجح بين ادعاء توثيق حياة عائلة ريفية في دلتا النيل، وبين الاندفاع نحو فسيفساء يومية تُراكم التفاصيل بسطحية من دون أن تبلغ أي حتمية درامية.

تتجلى الإشكالية الأولى في الجغرافيا نفسها؛ فقرية البرانية ليست «قرية على أطراف القاهرة» بالمعنى الفضفاض الذي تروّج له المواد التسويقية والترويجية، بل قرية تابعة لمركز ومدينة أشمون بمحافظة المنوفية. حين يُمسح الانتماء المنوفي ويُستبدل بعبارة «خارج القاهرة»، يتحول الريف في فيلم البرانية إلى فضاء عام مُعلب صالح للتلقي المهرجاني في فيلم Al Baraneya، ويُمحى الواقع الخدمي والاقتصادي المعاصر للقرية. فمن المفارقات الصارخة أن قرية البرانية تمتلك الكتلة السكانية الأعلى في المركز بتعداد يتجاوز عشرين ألف نسمة؛ وأمام هذا الثقل الديموغرافي، يتجاهل فيلم البرانية التحولات العمرانية ومجمعات الخدمات التي دخلت القرية قديماً وحديثاً. فكيف يمكن إذن اختزال هذا الزخم المجتمعي لتمثيل القرية بأكملها عبر مجرد منزل ضيق وقطعة أرض يُتخذان كمسرح معزول للأحداث؟ هذا الانتقاء يحيل فيلم البرانية إلى فضاء خيالي يتقوقع داخل أسرة، مقتطعاً إياها من سياقها الفعلي، ليُجمد المكان في كادر ضيق ومغلق، من دون أن يواجه السؤال الأهم: أي ريف مبتور يُعرض على الشاشات الدولية؟ البناء السردي هنا لا يحوّل العمل الزراعي إلى اقتصاد درامي، بل يبقيه إيقاعًا تكراريًا مملاً يشرح الحياة بدلًا من دفعها إلى الأمام.

من رملة الأنجب إلى البرانية: انهيار الصراع الطبقي إلى تردد أسري باهت
وعلى النقيض من هذا الترهل، يظل فيلم الأرض ليوسف شاهين (1970)، عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي وسيناريو حسن فؤاد، النموذج الذي يفضح هشاشة البناء في فيلم البرانية. في رملة الأنجب، وهي القرية القريبة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، الأرض ليست مزاجًا نوستالجيًا، بل محور صراع طبقي وسياسي محدد، يُختتم بسحل البطل محمد أبو سويلم (الذي جسّد دوره بعبقرية محمود المليجي) المتشبث بجذور القطن. أما في فيلم في فيلم البرانية Al Baraneya فينهار الصراع إلى تردد أسري باهت. يظهر الخطر في هيئة عرض لبيع الأرض مقابل الانتقال إلى شقة، فيرفض الأب سيد (السيد محمد الهمص)، وتلخص الأم (سارة علي الحضري) الموقف بجملة «إحنا مش بتوع بلكونات». الجملة قوية كشعار، لكن النص يفشل في تحويلها إلى مسار درامي. العرض لا يتطور إلى انتزاع، بل يعود الفيلم إلى دائرة قطف الياسمين وثرثرة الجدة (فاطمة فرحات الحضري). هذا الانتظار لا يجد تفريغه؛ لأن الحتمية لم تُبنَ أصلًا، فصار الصمت غطاءً للترهل لا نتيجة فنية له.
وتُهدر البطلة أمل (ريم عامر)، الحامل التي تسكن بيت أهلها بينما يحاول زوجها عمر (مصطفى نور الدين) جمع المال، كمركز للتحول. زيارة ابنة العم رانيا (سلمى خطاب) من القاهرة لعمل مقطع تيك توك تُفتح ثم تُغلق بسذاجة، من غير تداعيات تعيد ترتيب البيت.

حتى حين يُراد الدفاع عن فيلم البرانية بوصفه فسيفساء انطباعية عن الجماعة، ينكشف التركيب نفسه كقائمة غير منطقية لا كخيار أسلوبي مكتمل. عرض شراء الأرض يدخل بوصفه حدثًا جسيمًا ثم يُزاح إلى الخلفية، بينما تستقر الكاميرا على حمل أمل وتمرداتها الصغيرة. القرار الاقتصادي —الوحيد القادر على تحريك المصير— يبقى عند الأب، والرغبة في القاهرة تبقى عند البطلة؛ خطان متجاوران لا يلتقيان. أمل لا تُبنى مركزًا من البداية، بل تُلتقط بالتدريج وسط ضجيج الأخوات، من دون أداة فعل توازي حملها. زيارة رانيا بالجينز والأظافر الملونة والتيك توك تُفتح كعدوى ممكنة ثم تُغلق كاستعراض ضيف.
الأوضح من ذلك أن الحداثة في فيلم البرانية ليست غائبة عن الكادر، بل منتقاة. في الليل تضع النساء مصابيح على الجباه ويعدن إلى الحقل لقطف الياسمين. في النهار تبيع البنات العقود لركاب القطار، يومًا بعد يوم، حتى يصير التكرار في فيلم البرانية حشوًا لا إيقاعًا. الكهرباء والأداة الحديثة والقطار والتيك توك كلها داخل المشهد، لكن أيها لا يتحول إلى اقتصاد درامي معاصر: لا حساب تكلفة، لا شبكة خدمات، لا ضغط زمني للحمل على البيت، ولا تصعيد لعرض البيع. الحداثة تدخل كملمس إثنوغرافي —ضوء الجبهة في العتمة، شاشة الهاتف في يد بنت القاهرة— ثم تُستبعد الطبقات التي قد تفسد نقاء الحقل. حتى اللقطات الخارجة عن المسار، كغناء الصبي، تزيد الازدحام من غير أن تدفع الحبكة. الصورة نفسها منقسمة: داخل قاسٍ لا يُجمَّل، وخارج يُنعَّم إلى جدران باهتة ومواكب وممرات. وتبرز هذه الجمالية الطقسية تحديداً في مشاهد الظل على الحائط أثناء تغسيل قدم الجدة قبل الدفن، فرغم طبعها البصري اللافت، إلا أن الفسيفساء هنا لا تشرح الحياة؛ تُبقي العقدة على المائدة وتنصرف إلى البورتريه. هذا الانتقاء ليس حيادًا بصريًا؛ هو أثر نظرة تُحسن التقاط ملمح الحياة وتُخطئ بناء مصيرها، نظرة تقف على عتبة الأسرة لا على القرية أو اقتصادها.

مسافة الصانعة: حين تُكتب القرية من أمستردام عبر عدسة الاغتراب
الصدق في السينما الريفية لا يُقاس بالانبهار ولا باستعادة الجذور من مسافة آمنة. المخرجة الهولندية أشجان الهمص —وهي ابنة الفنان المصري الهولندي صبري سعد الهمص، المولود في إمبابة شمال محافظة الجيزة، والمتزوج من السيدة الهولندية ليزا دي روي— تخرجت في أكاديمية السينما بهولندا وتقيم في أمستردام. هذا التكوين يجعلها تقف من فيلم البرانية في موقع مزدوج: ابنة الأسرة التي تصوّر أهلها، وصانعة تكوّنت خارج اقتصاد القرية فتعيد ترتيب المكان بصريًا وفق هذه المسافة. الزيارات المتأخرة والاحتفاء بدفء الجماعة النسائية ينتجان قربًا عاطفيًا لا يكفي لبناء اقتصاد المكان وصراعه. هذه المسافة تظهر في المسودة الأولى التي كُتبت مع السيناريست Roelof-Jan Minneboo، وكانت تضم شخصية هولندية قبل حذفها. الحذف لا ينفي أثر المسافة في طريقة بناء المشهد، أيًا كانت نية الحذف. اختيار تمثيل الأسرة الحقيقية ثبّت الإحساس المعيوش، لكنه حوّل أحداث فيلم البرانية إلى بورتريه أسري يميل إلى الرصد لا إلى تصعيد الحبكة؛ فالتكرار لا يراكم مسارًا، بل يحل محل الفعل. الأسرة أمام الكاميرا تمنح دفئًا، وتكشف في الوقت نفسه نقص التوجيه الصارم، فتخرج شريحة مجتزأة من الريف المصري المعاصر لا صورته الحقيقية.

خريطة الإنتاج واللغة البصرية: مسار دولي لواقع محلي
لا تُقرأ هذه الحالة بمعزل عن خريطة الإنتاج العابرة للحدود. فيلم البرانية إنتاج هولندي-مصري-بلجيكي-سعودي تقوده BALDR Film للمنتج Frank Hoeve، بمشاركة Seera Films لقسمت السيد وCZAR Film لـ Eurydice Gysel، بالتعاون مع KRO-NCRV، والمبيعات الدولية عبر MAD World. والدعم معلن من Netherlands Film Fund وCoBO وBelgian Tax Shelter وBNP Paribas Fortis Film Finance وCreative Europe MEDIA وRed Sea Fund.

ورغم تأكيد المخرجة على تقديم العمل بوصفه «فيلماً مستقلاً»، فإن هذه الهيكلة تطرح سؤالًا عن أثر مسارات التمويل على شكل الحكاية القابلة للسفر. حتى مع القول إن فيلم البرانية لم يُصنع للاستهلاك الغربي، فإن تركيبة الطاقم التقني —تصوير Douwe Hennink، مونتاج Dieter Diependaele، صوت Taco Drijfhout— نتج عنها لغة بصرية وسمعية تبدو مفصولة ومنعزلة تماماً عن إيقاع القرية. الواقعية التسجيلية تصبح معادلًا بصريًا يملأ الترهل السردي، وتُستبعد طبقات الريف التي قد تكسر هدوء الكادر. حوائط باهتة وحقل هادئ يصنعان صورة ساكنة أقرب إلى الملصق منها إلى ضغط الحدث. يغيب المنحنى النفسي في Al Baraneya حين يبقى صراع الملكية همسًا خلف الجدران، فيتعلق العمل بين البقاء والرحيل من دون حسم، ومن دون أن يجيب: من الذي ينتزع الأرض، وكيف، وبأي ثمن؟
في المحصلة، يتعثر فيلم البرانية بين التوثيق الأسري والبناء الروائي، بين خصوصية يعلنها العمل وصياغات أسهل في التلقي الدولي. النتيجة عمل يدعو للتأمل، ويظل أقرب إلى عرض بصري صالح للسفر منه إلى دراما سينمائية مكتملة. وأمام هذا السخاء المؤسسي، والحضور الإعلامي الواسع، والاحتفاء الترويجي المصاحب للعرض، يبدو الفيلم حلقة في مسار متكرر من سينما التعاطف العائلي الهادئ؛ نمط تعيد إنتاجه مسارات التمويل نفسها ودوائر الوصول المعتادة إلى المهرجانات الدولية، فتستقر صياغات مألوفة تُخفف صلابة الواقع المعاش لحساب شعور سهل الوصول. هنا يبرز السؤال: أين مساحة المخرجين المصريين المستقلين الذين يعملون خارج هذا المسار الضيق من خريطة المنح والإنتاج؟ وهل بات التمويل الدولي، بآلياته وبنيته لا بنظرية مؤامرة، يسهّل تكرار قالب يبتسر تعقيد المكان ويختزل أزماته إلى ما يكفي لعبور سريع إلى شاشات المهرجانات؟
اقرأ أيضًا: ملف السينما المستقلة وتحديات الإنتاج المشترك
- فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو: تأملات في آليات السرد البصري وكيفية طرح قضايا التهميش دولياً
- فيلم ضي: سيرة أهل الضي بين محاولات التعبير الواقعي وحدود استدعاء التعاطف على الشاشة
- فيلم ملكة القطن: تتبع لمسار الحكاية وأثر تنوع جهات الإنتاج المشترك على تماسك الخطاب السينمائي
- فيلم عائشة لا تستطيع الطيران: رحلة البحث عن صراع عضوي وتشكيل دلالات بصرية تتجاوز القوالب النمطية
- فيلم خوفو (Khufu): الهوية البصرية للعمل وتحدي الحفاظ على الخصوصية المكانية أمام متطلبات العرض الدولي
- فيلم كولونيا: محاكمة مسرحية وتفكيك نقدي للمفاهيم المطروحة ضمن تحديات العرض في السينما المستقلة
