Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم “باسم آخر”: حين تصبح السينما محاورةً مع الموت ورسالةً للحياة

فيلم “باسم آخر”: حين تصبح السينما محاورةً مع الموت ورسالةً للحياة

امرأة متعبة، رأس على طاولة، كوب، نافذة، كتب، مشهد من فيلم "باسم آخر".

بلاك كات 24 : كوريا الجنوبية _ يبرز فيلم “باسم آخر” (By Another Name) في قلب مهرجان بوسان السينمائي الدولي بدورته الثلاثين، الممتد من 17 إلى 26 سبتمبر 2025، كعمل يتجاوز حدود الشاشة ليصبح تأملًا إنسانيًا يلامس الروح. يُعرض الفيلم الآن، حيث كان عرضه العالمي الأول يوم 22 سبتمبر الساعة 20:30 بمسرح هانيوليون في مركز السينما بوسان، تلاه عرض ثانٍ يوم 24 سبتمبر الساعة 12:00 بمسرح السينماتيك، وأخيرًا اليوم، 25 سبتمبر، الساعة 16:30 في CGV سنتوم سيتي 7. هذا العمل، المتنافس في القسم الرئيسي للمهرجان، ليس مجرد تجربة بصرية، بل مرآة تعكس الصراع بين الشغف والفقدان، وبين الرغبة في الخلود والحقيقة الحتمية للفناء.

رجل وامرأة يتحدثان بتركيز على طاولة خشبية أمام نافذة.

أرواح تتشابك على الشاشة: صراع البقاء والإبداع

في صميم القصة يقف جي-هيون، المخرج المصاب بمرض عضال، الذي يؤديه إنهوان مون بأداء يمزج الهشاشة بعزيمة تكاد تكون ملموسة. مون يقدم شخصية مخرج يرى في السينما ملاذه الأخير، يسابق الزمن المتبقي له كأن كل لقطة هي نقشٌ أخير في ذاكرة العالم. عيناه، المثقلتان بالندم والهوس، تجعلان الجمهور يتساءل: هل الفن يستحق أن نحترق من أجله؟ إلى جانبه، سو-جين، زوجته، التي تجسدها هويلين جونغ بحساسية تعتصر القلب. جونغ تحيل سو-جين إلى أيقونة للحب الذي يكابد الألم، امرأة تقاوم شغف زوجها، ثم تصبح، في النصف الثاني من الفيلم، حاملة إرثه، مخرجة تُكمل ما بدأه. أداؤها ينتقل من الغضب إلى القبول، ثم إلى الإبداع، في رحلة عاطفية تتجاوز حدود الشاشة. فيلم “باسم آخر” هنا يعكس تلك المشاعر.

الزوجان "جي-هيون" و"سو-جين" ينظران إلى صورة قديمة في فيلم "باسم آخر".

مييونغ هوانغ، بدور جي-يونغ، الصديقة المخلصة، تضفي دفءًا يشبه ضوءًا خافتًا في ليلة عاصفة. حضورها يربط شظايا القصة، كأنها الخيط الذي يمنع النسيج من التمزق. إلى جانبهم، ييجو جونغ وجيوون سونغ يقدمان أدوارًا داعمة تضيف طبقات من العمق، حيث تتداخل الشخصيات كوجوه متعددة لروح واحدة، تتراقص بين الأحلام والواقع، الأحياء والأشباح، في تدفق يشبه أنفاس الحياة ذاتها. أما فيلم “باسم آخر” فيجمع هذه الأرواح بتناسق.

أبطال فيلم "باسم آخر" مجتمعون بتركيز حول شيء ما في غرفة معيشة.

خلف الكاميرا: بصمات فنان يرسم بالضوء والزمن

لي جياهان، المخرج والكاتب، يقدم في فيلمه الثالث عملاً يحمل بصمات تجربته كمساعد سابق لهونغ سانغ-سو، لكنه ينحت رؤية خاصة تمزج التأمل الفلسفي بالدفء الإنساني. ورغم أن سيناريوه يترك بعض الخيوط مفتوحة وقد يُؤخذ عليه وجود بعض الفجوات السردية، إلا أنه ينجح في أن يعكس تعقيد الحياة: فوضوية، غير مكتملة، لكنها مشتعلة بالشغف. التصوير السينمائي لسومين كيم، الذي تولى أيضًا الإنتاج، يحول اللحظات اليومية – لقاءات سرية، حوارات تحت أضواء المدينة – إلى لوحات بصرية تحمل ثقل الزمن. المونتاج، من إنتاج ماريومو فيلم، يحافظ على إيقاع متعمد البطء، يمنح الجمهور مساحة للغوص في التفاصيل، رغم أن هذا الإيقاع قد يشعر البعض بأنه يفقد زخمه أحيانًا. الموسيقى التصويرية ليومسون تشوي تضيف طبقة شفيفة، كأنها همسة ريح ترافق الصراع العاطفي، مكملةً التجربة بحلم يتردد في القلب. وهذا ما يجعل فيلم “باسم آخر” تجربة مؤثرة.

شخص نائم في حديقة وامرأة ترتدي ملابس نوم صفراء تدون ملاحظات.

فيلم “باسم آخر” لا يقدم إجابات نهائية؛ إنه يطرح أسئلة عن الإرث، الحب، والفن. النصف الأول يصور مخرجًا في سباقٍ مع المحتوم، بينما النصف الثاني يحول سو-جين إلى بطلة ترث حلمه، فتذوب الحدود بين الواقع والخيال. لي جياهان يلعب بجرأة على التوتر بين ما داخل الإطار وخارجه، مستخدمًا الفكاهة السوداء والحزن العميق لخلق تجربة تترك الجمهور في حالة من الدهشة والألم الجميل. قد يُعاب على الفيلم إيقاعه البطيء أو بعض الخيوط السردية الغامضة، لكن هذه العيوب تصبح جزءًا من سحره: إنه يعكس الحياة في فوضاها وعمقها. في النهاية، “باسم آخر” يترك في النفس التأمل والأسئلة.

مقارنة بين فيلم "إيكيرو" لكوروساوا وفيلم "حدوتة مصرية" ليوسف شاهين.

ولإضافة عمق سياقي للرؤية التي يقدمها الفيلم، يمكن وضعه في حوار مع أعمال سينمائية خالدة تناولت ثيمة “مقارعة الفناء بالإبداع”. فعلى الصعيد العالمي، قد نستدعي تحفة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا “إيكيرو” (Ikiru – 1952)، التي يقرر فيها موظف بيروقراطي، بعد علمه بإصابته بمرض مميت، أن يمنح الأشهر الأخيرة من حياته معنى عبر إنجاز مشروع واحد بسيط يخدم به مجتمعه. وعربيًا، يتردد صدى هذا الصراع الوجودي في فيلم يوسف شاهين “حدوتة مصرية” (1982)، حيث يضع المخرج “يحيى” (الذي يمثل شاهين نفسه) حياته وأفلامه على محك المحاكمة خلال خضوعه لعملية قلب مفتوح، في مواجهة صريحة مع الموت وفكرة الإرث الفني. لكن ما يميز فيلم “باسم آخر” ويضيف لمسته الخاصة هو تركيزه ليس فقط على صراع الفنان الأخير، بل على فكرة انتقال شعلة الإبداع إلى شخص آخر (الزوجة)، ليصبح الإرث ليس مجرد عمل فني مكتمل، بل روحًا تستمر في الخلق من خلال الحب. بالفعل، يضيف فيلم “باسم آخر” بُعدًا جديدًا لهذه الثيمة.

في النهاية، “باسم آخر” شهادة على أن السينما ليست محاولة لتحدي الموت، بل هي حوار معه، ومحاولة لنقش أثرٍ خالد في وجه الفناء. إنه فيلم يذكرنا بأن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية. لكل من يقف الآن في قاعات بوسان، أو ينتظر فرصة لمشاهدته، هذا العمل دعوة للتفكير في ما نتركه خلفنا، وكيف يمكن للحب والإبداع أن يحولا حكاياتنا الفانية إلى خلودٍ يسكن الشاشة.