الرئيسية » فيلم عائشة لا تستطيع الطيران: تفكك الدلالة الرمزية وبقاء الصراع معلقاً بلا جذور

فيلم عائشة لا تستطيع الطيران: تفكك الدلالة الرمزية وبقاء الصراع معلقاً بلا جذور

الممثلة بوليانا سيمون في مشهد من فيلم عائشة لا تستطيع الطيران

سطوة الرمز الحيواني في فيلم عائشة لا تستطيع الطيران: حين تبتلع الاستعارة عمق الشخصية

بلاك كات 24 : أحمد قرمد

في الفن السابع، لا يكفي أن تنصب الكاميرا عدستها في الأحياء والأزقة الشعبية لتصنع سينما واقعية ذات شأن، بل يُشترط أن تحكمها بوصلة سردية وفنية تمنعها من الانزلاق نحو التوظيف الدرامي المجاني للشخوص أو إقحام أزمات لا جذور لها في الواقع. وفي تجربته الروائية الطويلة الأولى، فيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away)، يضعنا المخرج مراد مصطفى أمام عمل يعاني من ارتباك فني حاد؛ حيث يتأرجح بين ادعاء توثيق معاناة المهاجرين الأفارقة، وبين الاندفاع غير المبرر نحو استعراض الغرائبية (Exoticism) والصدمة الدموية المفتعلة.

بوليانا سيمون داخل حافلة مزدحمة في أحد مشاهد فيلم عائشة لا تستطيع الطيران


تشويه الجغرافيا: صدام حاد مع النسيج المجتمعي الأصيل

وتتجلى الإشكالية الكبرى للفيلم في محاولته اصطناع حالة من الاغتراب والقسوة والاضطهاد داخل حي “عين شمس” العريق. فقد تجاهل البناء السردي حقيقة ساطعة لا تخطئها عين؛ وهي أن هذا الحي، بأصالته وشهامة أهله، يمثل نموذجاً مصغراً لروح مصر الحاضنة والمرحبة. ففي الشارع المصري الأصيل، يُعامل الضيوف السودانيون نساءً ورجالاً، وكل وافد ووافدة من أي جنسية، كابن بار وابنة كريمة وأصحاب دار، في نسيج مجتمعي يذيب الفوارق ويقتسم لقمة العيش والأمان دون تفرقة أو تمييز. محاولة تصوير هذا المجتمع كغابة للإقصاء هي محاولة تتصادم بعنف مع بديهيات الواقع التكافلي المصري.
الكتالوج البصري: بين الصدق الفني ومعايير لجان التحكيم هل أفضى هذا الانفصال عن الواقع المجتمعي إلى تجريد العمل، الذي يمتد لنحو الساعتين، من أي رؤية سينمائية متماسكة؟ وبدلاً من الغوص في الأبعاد الإنسانية الحقيقية، هل قدم فيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) تركيبة بصرية ودرامية أم انها تتوافق بشكل ملحوظ مع الأذواق السائدة في دوائر التمويل والمهرجانات الدولية؟ وهل جاء هذا التوافق على حساب الصدق الفني والمنطق الدرامي وواقعية المكان؟

بوليانا سيمون خلف دراجة نارية في أحد مشاهد الإنتاج السينمائي المشترك


البناء الدرامي: هل تاهت الحبكة بين واقعية الشارع وتساؤلات الفانتازيا؟

تتمحور البنية السردية لفيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) حول يوميات شابة سودانية في السادسة والعشرين من عمرها، تؤدي دورها عارضة الأزياء بوليانا سيمون (Buliana Simon) في أول وقوف لها أمام الكاميرا. تعمل عائشة كمدبرة منزل ومقدمة رعاية صحية، لتقع تحت رحمة ابتزاز زعيم عصابة محلية (يؤديه مغني الراب زياد ظاظا – Ziad Zaza) يجبرها على استنساخ مفاتيح منازل مخدوميها مقابل “الحماية”. يتوازى ذلك مع علاقة باهتة تجمعها بعامل في مطعم مصري (عماد غنيم)، وتعرضها لاستغلال دنيء من مريض مسن ترعاه (ممدوح صالح)، والذي يُحكم الخناق عليها مستغلاً ضعفها ليجبرها على انتهاك جسدي ترفضه.

وحين يصل السرد إلى ذروة مأساويته وانغلاقه، هل كان مبرراً درامياً أن يقحم الإخراج فجأة مساراً من الفانتازيا والغرائبية؟ فبدلاً من تقديم معالجة إنسانية تعمق من أزمة الشخصية، ينحرف مسار الأحداث نحو ذروة فوضوية تتجسد في تحول البطلة إلى نعامة، كرمز مباشر وسطحي يعكس عجزها عن الطيران والهرب، بالتزامن مع اندلاع ما يشبه حرب عصابات شوارع مفتعلة. هذا التحول الغرائبي يترك المشاهد أمام علامات استفهام مشروعة حول مدى تماسك هذا المسار، وما إذا كان قادراً حقاً على إقامة صلة حقيقية مع المتفرج أم أنه مجرد سرد للاواقع بوصفه واقعاً؟

مشاهد من فيلمي قمر كوكب المشتري ونيء تبرز توظيف التحول الجسدي والغرائبية في السينما العالمية


مرآة المقارنة: بين الضرورة الدرامية والصدمة البصرية

تبرز الحاجة هنا لاستدعاء مقارنات سينمائية وظّفت «التحول الجسدي» والغرائبية بوعي درامي وفلسفي. ففي الفيلم المجري-الألماني قمر كوكب المشتري (Jupiter’s Moon) للمخرج كورنيل موندروزكو (Kornél Mundruczó)، يكتسب اللاجئ السوري قدرة خارقة على التحليق، في توظيف عبقري للغرائبية يجبر المجتمع الأوروبي القاسي على رفع رأسه للسماء والنظر إلى اللاجئ المستضعف ككائن ملائكي يمتلك الكرامة. وعلى النقيض النفسي، نجد في الفيلم الفرنسي-البلجيكي نيء (Raw – Grave) للمخرجة جوليا دوكورنو (Julia Ducournau) شابة تمر بتحول جسدي مفزع، لكنه جاء كانعكاس عضوي لاكتشاف الذات واختبار حدود الرغبة المكبوتة. إذا كان التحول في كلا العملين يخدم تصاعداً إيقاعياً وحتمية فسيولوجية ونفسية، فهل يعدو مشهد التحول إلى نعامة في فيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) كونه إكسسواراً بصرياً للواقعية السحرية، يهدف إلى إحداث صدمة مفاجئة لا تخدم تطور البطلة كإنسانة، بقدر ما يبدو محاولة لتقديم لقطة استعراضية تراهن على لفت الأنظار في المحافل السينمائية الدولية؟

لقطة مقربة للممثلة السودانية تعكس ملامح العزلة في أولى تجاربها الروائية


أبعاد الاستقلالية: الإنتاج المحلي في مواجهة التمويل الدولي يقودنا ذلك مباشرة إلى المعضلة الإنتاجية التي تقف خلف هذا الاستعراض. إن محاولة تصدير العمل كصوت خالص للمهمشين وللسينما المستقلة تضعنا أمام تساؤلات مشروعة عند النظر إلى سجلات التمويل الدولي. فنحن لسنا أمام إنتاج مستقل متقشف بالمعنى التقليدي، بل أمام هيكل تمويل عابر للقارات يجمع سبع دول: مصر (Bonanza Films للمنتجة سوسن يوسف، بالاشتراك مع Film Clinic لمحمد حفظي في مراحل الإنتاج الأولى)، تونس (Nomadis Images للمنتجة درة بوشوشة)، السعودية (Cinewaves Films للمنتج فيصل بالطيور)، إلى جانب قطر، فرنسا، ألمانيا، والسودان (Station Films للمخرج والمنتج أمجد أبو العلا)، مع تولي شركة علاء كركوتي MAD World مهام المبيعات الدولية.

وتتشابك هذه البنية مع المسار المهني المتوازي للمخرج مراد مصطفى والمنتجة سوسن يوسف، اللذين جمعهما تعاون فني طويل تحول لاحقاً إلى شراكة زوجية. مراد، المولود في القاهرة عام 1988، بدأ مساعد مخرج في أعمال مستقلة، منها مشاركته في فيلم «سعاد» لآيتن أمين (الذي عُرض في كان وبرليناله)، ثم قدم سلسلة أفلام قصيرة اختيرت في مهرجان كليرمون فيران على مدار ثلاث سنوات متتالية، وصولاً إلى «عيسى» الذي شارك في أسبوع النقاد بكان 2023. أما سوسن، المولودة أيضاً عام 1988، فقد أسست شركة بونانزا فيلمز عام 2019، وأنتجت كل أفلامه القصيرة وشاركت في كتابتها.

المنتجة سوسن يوسف خلال مشاركتها في فعاليات برنامج مواهب برلين السينمائي

ويظهر هذا التوازي بوضوح في آلية التعاطي مع برامج المواهب الدولية؛ فبينما اختير مراد لبرنامج (Berlinale Talents) إثر مشاركة فيلمه القصير في كان، رُفضت سوسن في البرنامج ذاته أربع مرات متتالية منذ فيلمها القصير الأول «حنّة ورد»، إلى أن قُبلت أخيراً في دورة 2026 بعد اختيار «عائشة لا تستطيع الطيران» في مسابقة نظرة ما بكان 2025. وتتقاطع هذه الخطوات مع أحمد شوقي، رئيس الاتحاد الدولي لنقاد السينما (FIPRESCI) – وهو الاتحاد الذي منح الفيلم جائزته في مهرجان المشمش الذهبي (Golden Apricot) بأرمينيا عام 2025 – والذي أجرى حواراً مع المنتجة حول مسيرتها وقبولها في البرنامج نُشر بمجلة (Ruya) التابعة لمعهد غوته، فضلاً عن كتابته عن الفيلم ذاته عبر منصة «فاصلة». وخلال هذا الحوار، بررت سوسن رغبتها في الانتقال لإنتاج أعمال لمخرجين آخرين إلى جانب شريكها الفني والزوجي، بصعوبة تمويل الفيلم الثاني مقارنة بالأول، مرجعة ذلك إلى ما وصفته بـ«هوس الصناعة ببكرية المخرج».

هذا التشابك بين المسار المهني المشترك، والاعتماد على برامج المواهب والمعامل الدولية، وهيكل التمويل العابر للقارات، يضع مفهوم «الاستقلالية» في ضوء أكثر تعقيداً مما يُروَّج له عادة.

تتويج صناع عائشة لا تستطيع الطيران بجوائز منصات التمويل والمهرجانات الدولية


بوصلة التمويل: رهانات الرؤية الفنية في أروقة المهرجانات
طاف مشروع عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) على عدة صناديق دعم ليحصد منحاً إنتاجية وتوزيعية؛ بدءاً من منطلق الجونة (8180 دولاراً)، مروراً بلودج البحر الأحمر (100 ألف دولار)، ومؤسسة الدوحة للأفلام، وصندوق السينما العالمية في برليناله (25 ألف يورو للإنتاج و 8 آلاف يورو للتوزيع الألماني عبر شركة Rapid Eye Movies لإطلاقه في يناير 2026). كما اقتنص خمس جوائز من ورشة فاينال كت (Final Cut) في فينيسيا بإجمالي 23.5 ألف يورو، ومثلها من ورش الأطلس في مراكش، فضلاً عن دعم الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) وإقامة (Cinéfondation) في كان. هذا المسار التمويلي المتنوع يطرح تساؤلاً نقدياً مشروعاً حول مدى تأثير تفضيلات المانحين وتوجهات المعامل الدولية على الاختيارات الدرامية والبصرية للعمل. ليبقى السؤال معلقاً: هل هذا الخليط المكون من (مأساة المهاجرة + الجسد المتحول + العنف الدموي + الغرائبية الحيوانية) وليد الضرورة الفنية الخالصة، أم أنه يعكس تأثراً بتركيبات درامية تلقى رواجاً في أروقة التمويل الأوروبي لحجز مقعد في مسابقات كبرى مثل نظرة ما (Un Certain Regard)؟

ويقودنا هذا المشهد الاستثنائي من الدعم إلى مفارقة ملحوظة يعيشها العديد من الصناع المستقلين في مصر؛ أولئك الذين يمتلكون رؤى سينمائية أصيلة وقصصاً تنبض بواقع محلي خالص، ويختارون الانحياز لصدقهم الفني. فهؤلاء السينمائيون لا تنقصهم الموهبة أو الوعي بآليات الصناعة، بل يحتفظون باستقلاليتهم. وهنا يبرز تساؤل جوهري موجه للمؤسسات الأوروبية المانحة: هل استمرار توجيه الدعم السينمائي يخدم حقاً التنوع الثقافي؟ أم أنه يساهم في تكريس أنماط سردية محددة تتوافق مع التوقعات المسبقة؟ إن اقتصار الفرص التمويلية لا يحد فقط من مساحة التعبير للسينما المستقلة الحرة، بل يحرم المهرجانات الأوروبية ذاتها من اكتشاف أصوات حقيقية جديدة ومغايرة، ويقف عائقاً أمام انخراطها في حوار ثقافي أكثر رحابة وتجدداً.

لقطة تعكس العزلة داخل المترو من فيلم مراد مصطفى


ارتباك التنفيذ: تحديات الإيقاع والإحكام البصري

وعلى صعيد التوجيه الإخراجي، تتكشف أزمة فيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) في فرض رؤية أسلوبية قسرية طمست النبض الطبيعي للأحداث. نجد أنفسنا أمام أداءات متخشبة وإيقاع حواري ميكانيكي بالغ البطء يسلب الشخوص حرارتهم الإنسانية. وإذا جاز تبرير هذا الجفاف التعبيري لدى بطلة تعاني القهر، فما هو المسوغ الدرامي لانسحاب النمط الآلي ذاته على باقي الشخصيات، كشخصية عامل المطعم الذي يشاركها مسارها؟ هذا التوحيد القسري في الأداء حوّل الممثلين إلى مجرد بيادق تنفذ حركة جامدة داخل الكادر، ليطغى حضور المخرج بشكل فج على أصوات الشخصيات ويسلبها استقلاليتها.

ويمتد هذا التصلب إلى هندسة التوتر الدرامي التي انزلقت نحو المبالغة والافتعال. تتجسد هذه الإشكالية في مشاهد العنف المباغتة التي تفتقر لأي تمهيد أو بناء نفسي؛ ومثال ذلك مشهد شركة العمل، حين تبلغ إحدى العاملات عن نقص طفيف في راتبها، ليكون الرد الفوري هو الضرب المبرح والسباب العنيف من قِبل الموظف. هذا الاستدعاء المجاني للقسوة جرد العمل من أي عمق درامي، محولاً شخوصه إلى نماذج أحادية تتحرك في مسار مسطح، وهو ما يخلق جداراً عازلاً يمنع المتفرج من التفاعل مع المأساة المعروضة.

أما على مستوى التشكيل البصري والإنتاج، فقد تورطت الصورة السينمائية في تزييف الفضاء المكاني بدلاً من توثيقه. ويتجلى ذلك في التدخلات الفنية التي عصفت بمصداقية البيئة المحيطة، مثل إقحام عربات مترو أنفاق لا تمت بصلة لتفاصيل وواقع مترو القاهرة وأماكن الحي الأصيل، مما يهدم حاجز الإيهام بالواقعية الذي يتشدق به العمل. هذا التخبط بين ادعاء الانتماء لسينما الشارع الخشنة، وبين فرض قوالب بصرية مصطنعة، يعكس ارتباكاً حاداً في بناء الفيلم؛ حيث تاهت الحبكة تحت ثقل حشد مفرط للأفكار، على حساب اختزال السرد وتفريغ مساحة حقيقية تتنفس فيها الشخصيات وتنمو بشكل منطقي.

رمزية قناع باتمان وظهور النعامة الغرائبية في أحداث Aisha Can't Fly Away


كواليس العمل: تحديات التطابق بين رسالة الفيلم وواقع صناعته لا يكتمل التناول الفني والموضوعي لأبعاد هذا العمل دون التوقف أمام السجالات العلنية التي طفت على السطح مؤخراً. ففي يونيو 2026، أثارت تصريحات الممثلة أشاي أيوم تساؤلات علنية حول مدى تطابق الخطاب الذي يقدمه الفيلم حول قضايا التهميش مع بعض ما روته عن تجربتها داخل موقع التصوير، وفقاً لروايتها. وفي هذا السياق، دعا المخرج والمنتجة سوسن يوسف إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهي خطوة تظل موضع نقاش حول آليات ضمان حق الموافقة والسلامة النفسية للممثلين.
المشهد الختامي: البحث عن التوازن بين الشكل والمضمون في المحصلة النهائية، واجه فيلم عائشة لا تستطيع الطيران (Aisha Can’t Fly Away) صعوبة في التحليق برؤية سينمائية متماسكة، متعثراً تحت وطأة طموحاته الرمزية. يبدو الفيلم أقرب إلى خليط غير متجانس من الصدمة الجسدية والواقعية، مفتقراً للترابط العضوي الذي يجعل من تحول البطلة أزمة إنسانية عميقة الأثر. فالسينما التي تسعى لمقاربة الحقيقة قد لا تحتاج بالضرورة إلى الاعتماد على مشاهد الصدمة البصرية، ولا تتطلب حتمياً هذا الحشد التمويلي لتقديم رؤيتها. تضع هذه العوامل الشريط في خانة التجارب التي أثارت نقاشاً وجدلاً مؤقتاً، ويبقى التحدي الحقيقي أمامه هو الصمود أمام اختبار الزمن، والذي يتطلب التوازن الدقيق بين الصدق الداخلي للعمل، واحترام المنطق السردي، والتعبير الأعمق عن كرامة الإنسان المُجسَّدة على الشاشة.