Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم ميلانيا ترامب: عدسة الوهم وسقوط الوثائقي في فخ البروباغندا

فيلم ميلانيا ترامب: عدسة الوهم وسقوط الوثائقي في فخ البروباغندا

دونالد وميلانيا ترامب يقفان معاً أمام لوحة بيضاء ضخمة تحمل اسمها، للترويج لإصدار فيلم ميلانيا ترامب الوثائقي، حيث يرتدي دونالد بدلة توكسيدو كلاسيكية وترتدي ميلانيا قميصاً أبيض أنيقاً.

العقم السينمائي وجماليات التحنيط البصري: السطحية كبديل عن السرد العضوي في فيلم ميلانيا ترامب

بلاك كات 24 : القاهرة _السينما الوثائقية في جوهرها الأصيل هي أداة حادة لتعرية الحقيقة، ومشرط يغوص في أعماق النفس البشرية والتعقيدات السياسية، ولكن عند الشروع في كتابة مراجعة عن فيلم ميلانيا ترامب، نقف مذهولين أمام حالة من العدم السينمائي المطلق والخواء الفكري المفزع الذي يثير تساؤلات عميقة حول جدوى الصناعة بأكملها. في أقل من شهرين على عرضه السينمائي، تم إطلاق هذا العمل الوثائقي ليكون متاحاً للمشاهدة المجانية عبر منصة “برايم فيديو” التابعة لأمازون اليوم التاسع من مارس 2026.

ملصق ترويجي للإعلان عن عرض فيلم ميلانيا على منصة أمازون برايم، تظهر فيه ميلانيا جالسة ببدلة سوداء على كرسي أبيض بجوار شعار المنصة وموعد العرض في 9 مارس.

الفيلم، الذي أخرجه بريت راتنر، يعمد إلى توثيق الأيام العشرين التي سبقت حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب في العشرين من يناير 2025. وبدلاً من أن يقدم لنا إجابات شافية أو رؤية فنية ثاقبة حول هذه الشخصية الغامضة، يتحول إلى ما يشبه قطعة من التحنيط البصري المصمم بعناية فائقة، حيث يبدو بارداً عند اللمس ومبالغاً في سعره، وكأنه هدية من القرون الوسطى تُقدم لإرضاء ملك جشع يجلس على عرشه. من خلال عدسة تفتقر إلى أي روح نقدية وتكتفي بالرصد السطحي، نتتبع السيدة الأولى وهي تنتقل كآلة باهتة ومجردة من الحياة بين “مار إيه لاغو” وبرج ترامب، وصولاً إلى وجهتها النهائية في البيت الأبيض. إن هذا الطرح يقودنا حتماً إلى استنتاج واحد: نحن أمام نسخة رديئة ومذهبة من رائعة جوناثان غليزر السينمائية، حيث شبّه النقاد هذا العمل بفيلم “منطقة الاهتمام” (The Zone of Interest)، فبينما كان زوجها وحلفاؤه يستعدون لتفكيك الدستور وتجريد الحكومة الفيدرالية من أصولها، كانت بطلتنا تلهينا ببريق الكرات الذهبية والفساتين المصممة خصيصاً لها وتصرح بأن “الأبيض والذهبي” هما ما يمثلانها. وفي مفارقة تثير السخرية المرة وتكشف هشاشة السرد، نجد أن التوتر الدرامي الوحيد في هذا الشريط السينمائي الميت يتمحور حول قلقها البالغ من أن بلوزتها البيضاء واسعة جداً بمقدار ثُمن بوصة عند الرقبة، مما استدعى تدخل الخياطين لتضييقها وسط حالة من الذعر المصطنع. أما الرئيس ترامب، فيظهر كخلفية باهتة، يتدخل في فترات متقطعة فقط ليتباهى بفوزه الانتخابي، أو ليتذمر بسطحية مقيتة من تضارب موعد حفل تنصيبه مع البث التلفزيوني لمباريات تصفيات كرة القدم الجامعية، مدعياً في مشهد يفتقر لأي وزن سينمائي أنهم “ربما فعلوا ذلك عن قصد”. إن هذا العمل الذي يتنقل ببطء جليدي ومؤلم بين تجهيزات العشاء على ضوء الشموع واختيار ديكورات الحفلات، بصوت معدني يخلو من المشاعر ووجه متجهم كالقبضة، لا يقدم لنا سوى سراب بصري يغتال جوهر السينما الوثائقية ويحول الشاشة إلى مرآة نرجسية لا تعكس سوى الفراغ.

صورة ملونة لزوجة الرئيس الأمريكي السابق، ميلانيا ترامب، ترتدي فستاناً أسود وتضع ساعة يد فاخرة وأساور مرصعة، تقف مبتسمة في متجر ألعاب، في إشارة إلى استراتيجية ميلانيا ترامب للترفيه وجهودها الإنسانية الظاهرية.
هل سيتناول الوثائقي هذا التناقض؟” السيدة الأولى في إحدى فعالياتها الداعمة للأطفال، وهو جزء من استراتيجية ميلانيا ترامب للترفيه التي تثير تساؤلات حول البعد الإنساني الحقيقي للمشروع.

التناقضات الأخلاقية وصناعة التعاطف الزائف: عندما تتصادم الصورة مع كوابيس الواقع

لا يمكن فصل الصورة الباذخة التي تُعرض على الشاشة عن السياق السياسي والأخلاقي المرعب الذي أنتجها، وهنا تتجلى الفضيحة الكبرى في هذا المشروع الوثائقي المزعوم المليء بالثغرات المتنافرة. إن الغوص في تفاصيل فيلم ميلانيا ترامب يفتح الباب واسعاً أمام سيل من التساؤلات المشروعة حول كمية التناقضات الصارخة التي يطرحها العمل؛ فكيف يمكن للفيلم أن يتجاهل تماماً حقيقة أن بطلته عارضة أزياء طموحة مهاجرة في الأصل من سلوفينيا، في الوقت الذي يتبنى فيه زوجها سياسات قمعية شرسة تجاه الهجرة والمهاجرين في الولايات المتحدة؟ بدلاً من مواجهة هذا التناقض العنيف وتفكيكه سينمائياً، يهرب الفيلم إلى مساحات آمنة ومفتعلة، حيث نراها تتحدث عن أن “الأطفال سيظلون دائماً أولويتها” بطريقة مصطنعة تدعو للاشمئزاز، في انفصال تام عن الواقع الدموي المرير الذي تتورط فيه السياسات الأمريكية.

السيدة الأولى ميلانيا ترامب أثناء إلقاء خطاب ميلانيا ترامب في مجلس الأمن، وهو الحدث الذي تزامن مع تقارير "يونيسيف" عن مقتل عشرات الطلاب في مدرسة ميناب بإيران.
لقطة توثق خطاب ميلانيا ترامب في الأمم المتحدة؛ حيث دعت للسلام عبر التعليم في وقت سجلت فيه التقارير الميدانية سقوط ضحايا بين الطلاب جراء استهداف منشآت تعليمية في إيران.

أين هذا الادعاء الأجوف بحماية الأطفال ومساندة الضعفاء من الجرائم التاريخية والمستمرة التي ترتكبها أمريكا، بدءاً من الإبادة النووية المرعبة في هيروشيما وناغازاكي التي أبادت مدناً وسحقت أجيالاً بأكملها تحت الرماد، مروراً بالدماء البريئة التي سُفكت مؤخراً في مدرسة البنات الإيرانية في ميناب بأسلحة أمريكية، وصولاً إلى تواطؤها الفاضح في المآسي الإنسانية الكارثية المعاصرة، كما يظهر في تجاهلها للواقع الأليم بينما يركز الفيلم على لقائها العاطفي المفتعل مع أفيفا سيغل، الرهينة الإسرائيلية، لتذرف دموعاً وهمية وتعد باستخدام نفوذها لمساعدة المحتاجين؟ في الوقت الذي كانت فيه طفلة من غزة تقف رافعة رأسها بعزة وكرامة في وجه الجوع والظلم والموت، نجد أن هذا المشروع النرجسي قد التهم ميزانية ضخمة من شركة أمازون بلغت 35 مليون دولار للتسويق، بالإضافة إلى 40 مليون دولار أخرى لشراء حقوق العرض، في خطوة وصفها الخبراء والموظفون السابقون بأنها رشوة علنية أو محاولة مفضوحة لكسب حظوة البيت الأبيض، خصوصاً مع مساعي جيف بيزوس لتعزيز علاقاته بالإدارة. وتكتمل الصورة القاتمة لهذا الانهيار الأخلاقي باختيار المخرج بريت راتنر، العائد من منفاه في هوليوود بعد اتهامات مشينة بالتحرش الجنسي طالته إبان حركة #MeToo في عام 2017، ليقود هذا العمل، مما يضع شركة “ميوز للأفلام” التي تديرها ميلانيا كمنتجة تنفيذية في مأزق أخلاقي فاضح يثبت أن الغاية التسويقية تبرر أحقر الوسائل المهنية والسينمائية. وحتى عندما يحاول الفيلم استدرار العواطف عبر تصوير حزنها على وفاة والدتها أماليجا كنافس في يناير 2024، نجدها تكتفي بتعليقات صوتية مرافقة للقطات زيارتها لكاتدرائية القديس باتريك أو أثناء حضورها جنازة الرئيس جيمي كارتر، هرباً من المواجهة المباشرة مع الكاميرا أو التعبير الصريح عن مشاعرها، في حين تكتفي بالتحديق بلا أي دموع في تغطيات حرائق كاليفورنيا المميتة، مما يخلق انفصالاً عاطفياً قاسياً يفرغ المشهد من أي دلالة إنسانية حقيقية.

بوستر فيلم البطل الأمريكي يظهر صورة مقربة لطفلة على خلفية من ألوان العلم الأمريكي والكردي، مع شعار يصف مهمة امرأة كردية أمريكية.

البروباغندا المقنعة واغتيال الذاكرة الثقافية: تحويل الشهرة إلى سلعة سياسية خاوية

في نهاية المطاف، نصل إلى المأزق الأكبر الذي يطرحه هذا العمل، وهو التدمير الممنهج لمفهوم الفيلم الوثائقي ذاته واستبداله بأداة علاقات عامة رخيصة ومكلفة في آن واحد، لا تختلف كثيراً عن المحاولات الفاشلة السابقة لتلميع السجلات السياسية المشينة عبر التاريخ. إن هذا الفيلم يعيد إلى الأذهان الإخفاق الذريع للفيلم الوثائقي “البطل الأمريكي” (American Herro) الصادر عام 2009، والذي حاول عبثاً تجميل صورة هيرو مصطفى غارغ، السفيرة الأمريكية السابقة في مصر، وتلميع سجلها السياسي المرتبط بدعم سياسات أسهمت في تأجيج التوترات الإقليمية الواسعة في الشرق الأوسط، ليمر ذلك العمل دون أي صدى يُذكر بسبب سرده البطيء وتمويله المشبوه من جهات غير حكومية.

لقطة من العرض الخاص للفيلم في صالة البيت الأبيض، تظهر فيها السيدة الأولى الأمريكية وهي تقف على المسرح وتتحدث، بينما ينظر إليها جمهور من الضيوف الجالسين في صالة مزينة بالثريات.

وعلى نفس المنوال التصنيعي البائس، يثبت فيلم ميلانيا ترامب أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة التلميع الترفيهية التي تقودها المنصات الكبرى لتحويل الشهرة والنفوذ إلى محتوى تجاري، حيث يُستغل الوثائقي كأداة في صندوق العلاقات العامة للمشاهير، تماماً كما تفعل نجمات البوب لضمان السيطرة الكاملة على صورتهن وتحقيق إيرادات هائلة متجاوزين حدود التوثيق الحقيقي. وفي محاولة بائسة لإضفاء بعض الحيوية الزائفة على شخصيتها الخشبية، يقحم المخرج لقطات لها وهي تستمع وتردد أغنية “بيلي جين” لمايكل جاكسون خلال رحلة بالسيارة، أو وهي ترقص بخجل على أنغام أغنية “YMCA” لفرقة فيليج بيبل بعد إحدى حفلات التنصيب، في مشاهد تبدو وكأنها مقحمة قسراً لكسر الجليد الكثيف الذي يغلف شخصيتها. ورغم اللقاءات العابرة التي تجمعها بمصمم أزيائها هيرفي بيير للحديث عن انسجامهما في الرؤية، أو مكالماتها مع السيدة الأولى لفرنسا بريجيت ماكرون لتبادل المديح حول الاهتمامات المشتركة، يفشل العمل فشلاً ذريعاً في كشف جوهر هذه المرأة، خصوصاً عندما نرى كيف يتجنب ابنها بارون الكاميرا ويبتعد فجأة أثناء دخول العائلة إلى البيت الأبيض، وهو المشهد العابر والوحيد الذي كان من الممكن أن يضفي بعض الصدق الإنساني على هذا العبث السينمائي. إن قرار عرض الفيلم مسبقاً في صالة خاصة بالبيت الأبيض بحضور شخصيات مثل مايك تايسون والملكة رانيا، وذلك تزامناً مع احتجاجات عارمة في مينيابوليس تندد بمقتل أليكس بريتي برصاص عملاء فيدراليين، يجسد الانفصال التام عن الواقع والتعالي المفرط على آلام الشعوب.

لقطة دعائية بالأبيض والأسود من فيلم ميلانيا ترامب، تظهر فيها ميلانيا ترامب وهي جالسة على كرسي أبيض أنيق وترتدي بدلة رجالية سوداء وحذاء بكعب عالٍ، وهي تنظر مباشرة إلى الكاميرا بثقة.

يختتم هذا الشريط السينمائي المروع بصورة فوتوغرافية رسمية بالأبيض والأسود، لتلخص لنا بصرياً حالة التصلب والافتقار إلى الألوان في شخصية تكتفي بقولها إن النبل الحقيقي يكمن في “أن أصبح أقوى من الشخص الذي كنته بالأمس”. إنه تصريح أجوف يختم عملاً لا يمكن اعتباره سوى كارثة موجهة لخداع التاريخ وطمس الذاكرة؛ فالنبل الحقيقي لا يُصنع بفساتين الحرير الفاخرة، ولا يُشترى بملايين أمازون، بل يكمن في عيون الأبرياء والضحايا الذين تسحقهم السياسات التي يمثلها هذا النظام. إن السينما خُلقت لتكون صرخة المظلومين ومرآة ناصعة للحقيقة، لا لتكون مساحيق تجميل تخفي قبح السلطة وغرورها، ليبقى هذا الفيلم وصمة عار تُذكرنا بأن الفن حين يُباع في أروقة السياسة الأمريكية يفقد روحه ويفقد معها إنسانيته.

اقرأ أيضاً: كواليس فضائح السياسيين الأمريكيين والوجه الخفي لاستغلال السلطة في واشنطن