Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم “Go Clara Go”: سيمفونية المقاومة الإبداعية في قلب ألمانيا الشرقية

فيلم “Go Clara Go”: سيمفونية المقاومة الإبداعية في قلب ألمانيا الشرقية

فيلم "Go Clara Go صورة لأحد أبطال الفيلم

بلاك كات 24 : لايبزيغ ، ألمانيا _ في قلب مدينة شيمنتس (كارل ماركس – شتات سابقًا)، حيث كانت الجدران تحمل أصداء الاشتراكية الصارمة في ألمانيا الشرقية خلال سبعينيات القرن الماضي، تنطلق عدسة المخرجة سيلفي كورستن لتتبع شرارة تمرد فني أشعلتها مجموعة “كلارا موش”. فيلم “Go Clara Go: فن المقاومة الإبداعية” ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو ملحمة بصرية مؤثرة تُعرض ضمن العروض الخاصة لـ MDR في مهرجان لايبزيغ السينمائي الدولي للأفلام الوثائقية والمتحركة (27 أكتوبر – 2 نوفمبر 2025). إنه شهادة سينمائية ملهمة عن كيف يمكن للفن أن يحطم القيود، ويصبح سلاحًا للمقاومة في وجه سلطة متسلطة.

لقطة أرشيفية بالأبيض والأسود من داخل معرض فني، تظهر حشداً من الناس يجلسون على الأرض ويستمعون إلى متحدث، في إحدى الفعاليات الفنية لمجموعة "كلارا موش" في ألمانيا الشرقية.

خيوط السرد: رحلة في الذاكرة

على مدار 93 دقيقة، يأخذنا الفيلم في رحلة عميقة إلى عالم “كلارا موش”، المجموعة التي تأسست عام 1977 وضمت طليعة من الفنانين المتمردين: مايكل مورغنر، توماس رانفت، كارلفريدريش كلاوس، غريغور-تورستن شاده، وداغمار رانفت-شينكه. اسمهم، “كلارا موش”، المقتبس من الأحرف الأولى لأسمائهم، كان في حد ذاته إعلانًا عن جماعية إبداعية تتجاوز الفردانية.

لقطة مقربة لامرأة تتصفح أرشيفاً قديماً، ربما ألبوم صور أو سلايدات، مسترجعة ذكريات مجموعة "كلارا موش" الفنية، من مشهد في فيلم "Go Clara Go".

ينسج الفيلم سرده ببراعة، ممزوجًا بين لقطات أرشيفية نادرة تنبض بالحياة رغم غبار الزمن، ومقابلات معاصرة مع أبطال الحكاية أنفسهم. نرى كيف تحولت شيمنتس، بعيدًا عن أعين الرقابة الرسمية، إلى مختبر فني حي، مستلهمًا من عمالقة مثل يوسف بويس، لكن بروح شرقية أصيلة. من العروض الصامتة المدهشة إلى المهرجانات الفنية المفعمة بالحيوية، نرى كيف تحدت المجموعة العقيدة الرسمية للفن الاشتراكي الواقعي. ويضيف الفيلم طبقة من التشويق الدرامي، تكاد تلامس أجواء أفلام الجاسوسية، حين يكشف عن خيوط مراقبة جهاز الأمن السري (شتازي) التي كانت تضيق الخناق على هؤلاء الفنانين.

صورة شخصية للمخرجة سيلفي كورستن، تنظر مباشرة إلى الكاميرا بإضاءة مركزة وخلفية داكنة غير واضحة.

الرؤية والبصمة الإخراجية

“Go Clara Go” هو أكثر من مجرد فيلم، إنه تأمل في قدرة الروح البشرية على الخلق. المخرجة سيلفي كورستن، ابنة لودفيغسفيلده، تجلب رؤية نابعة من جذورها الشرقية. انطلقت رحلتها من مقال صحفي استفزها عام 2017 حول تهميش الفن الشرقي، لتغوص في هذا الفصل المنسي. تصف كورستن فيلمها بأنه “احتفال بالطاقة غير القابلة للكسر”، وهو ما يترجم بوضوح على الشاشة.

صورة أرشيفية بالأبيض والأسود لأعضاء مجموعة "كلارا موش" الفنية. ثلاثة رجال وامرأة يقفون ويجلسون في الخارج بجانب لوحات خشبية تحمل اسم المجموعة "CLARA MOSCH".

أكثر ما يميز الفيلم هو بنيته السردية المبتكرة. بدلاً من التعليق الصوتي التقليدي، تمنح المخرجة الروح لشخصية خيالية هي “كلارا”، تؤديها الممثلة يولي بوي. “كلارا” هذه ليست راويًا محايدًا؛ إنها صوت جريء، ذكي، ومتمرد، يكسر الجدار الرابع بتعليقات عفوية مثل: “هل نتحدث عن الفن أولاً؟” أو “كان هذا أروع شيء!”. هذا الحضور الصوتي يمنح الفيلم نبضًا حيويًا، وكأن روح المجموعة المتمردة هي التي تشاهد الفيلم معنا، تعلق وتضحك وتتحدى.

صُنّاع العمل: سيمفونية الإبداع المشترك

لا يكتمل هذا الصرح البصري إلا بتضافر جهود فريق مبدع، عمل بتناغم لتقديم هذه التحفة. تقود المخرجة والكاتبة سيلفي كورستن الرؤية بحساسية مرهفة، مستندة إلى خبرتها العميقة في تقاطعات الفن والمجتمع. وتترجم عدسة مدير التصوير مارتن لانغنر هذه الرؤية إلى صور تخلق جسرًا بين رمادية الأرشيف وحيوية الحاضر.

لقطة أرشيفية بالأبيض والأسود تظهر خمسة أشخاص في حقل واسع، يتفاعلون مع أشكال هندسية مثلثة كبيرة تتطاير في الهواء، كجزء من أداء فني لمجموعة "كلارا موش".

يأتي دور المونتاج لـ يوهانس غيركه ليضبط إيقاع الفيلم، وينسج ببراعة بين الماضي والحاضر في تدفق سلس وشاعري. وتضع موسيقى فابيان روس (Orchestronik) اللمسة العاطفية التي تغلف التجربة، لتعزز المشاعر دون أن تطغى عليها. وبالطبع، يبرز الأداء الصوتي لـ يولي بوي (كلارا)، الذي لا يقل أهمية عن أي عنصر بصري، مانحًا الفيلم هويته الفريدة، بدعم من تصميم صوتي متقن بقيادة يورغ هونه وفريقه. هذا التناغم بين الإنتاج (غريغور شترايبر وفريدمان هوتنباخر) والشراكة مع MDR، هو ما صقل هذه الجوهرة الوثائقية.

الملصق الرسمي لفيلم "Go Clara Go"، يظهر لقطة بالأبيض والأسود لأداء فني في حقل، يعلوها عنوان الفيلم "go clara go" باللون الوردي الفاقع، واسم المخرجة سيلفي كورستن.

عندما يصبح الفن سلاحًا للحرية

تزامن عرض الفيلم في شيمنتس ولايبزيغ، مع إعلان المدينة عاصمة للثقافة الأوروبية 2025، ليصبح “Go Clara Go” أكثر من مجرد احتفال بالماضي، بل هو تذكير بأهمية الحفاظ على المساحات الثقافية الحرة.

إنه عمل ملهم ينجح في نفض الغبار عن إرث فني كاد أن يُنسى. ورغم أن غياب الترجمة قد يجعله تجربة شديدة الخصوصية، موجهة لمن يشارك السياق الألماني، إلا أن رسالته الكونية عن المقاومة الإبداعية تتجاوز بوضوح حواجز اللغة.

فيلم “Go Clara Go” هو دعوة صادقة للإيمان بقوة الفن. إنه احتفاء بذاكرة أولئك الذين جرؤوا على الحلم بالألوان في عالم رمادي، وتذكير خالد بأن الإبداع، في جوهره، هو أنبل وأقوى أشكال المقاومة.