بلاك كات 24: تورونتو, كندا – فيلم “Homebound” في عرضه الأول بأمريكا الشمالية.
بعد أن أحدث صدى واسعًا ونال استحسان النقاد في رحاب مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، يبرهن فيلم “Homebound” مجددًا على أن المخرج الهندي “نيراج غيوان” متفردٌ في نسج الحكايات الإنسانية العميقة. هذا العمل، الذي يأتي تحت عباءة الإنتاج التنفيذي للسينمائي الفذ “مارتن سكورسيزي”، يتجاوز كونه مجرد فيلم؛ ليصبح تجربة وجدانية عميقة وصفعة فنية بالغة الأناقة، تسبر أغوار مجتمع منقسم وتكشف عن تصادمٍ موجع بين طموحاتٍ جامحة وواقعٍ قاسٍ لا يلين.

وفي صميم هذه الرائعة، تتجلى حكاية مؤثرة عن الإخاء والأحلام المتكسرة…
فيلم “Homebound” تدور وقائعه حول صديقين حميمين، “شاندان” (فيشال جيثوا)، المنحدر من طبقة الداليت المُقصاة، و”شعيب” (إيشان خاطر)، الشاب المسلم. ينطلقان من قريتهما الوادعة بحلم مشترك، ظاهره البساطة وعمقه الأمل: الالتحاق بسلك الشرطة. فالبدلة الرسمية بالنسبة لهما ليست مجرد مهنة، بل هي حصنٌ للكرامة، وسبيلٌ للارتقاء الاجتماعي، وملاذٌ ماليٌ لذويهما. بيد أن هذا الحلم يرتطم بصخرة الواقع الكؤود، حيث يجدان نفسيهما في خضم منافسة محمومة مع مليونين ونصف المليون متقدم على بضعة آلاف من الوظائف الشاغرة. بالنسبة لهذين الشابين، يعتبر فيلم “Homebound” تصويرًا للتحديات بوضوح.

وما يسمو بالفيلم إلى مصاف الأعمال الاستثنائية هو الإخراج البارع والأداء التمثيلي الفذ…
ينسج “غيوان” حكايته بتأنٍ وصبر، محاكيًا صبر أبطاله الذين يرقبون عامًا بأكمله نتائج اختباراتهم دون طائل. وخلال هذا العام، نرقب كيف تتسلل الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية إلى نسيج حياتهما، لتهدد ليس فقط أحلامهما، بل تلك الرابطة الصميمة التي تجمعهما. فإعاقة والد “شعيب” التي تقعده عن العمل، ورغبة “شاندان” العارمة في تشييد منزل لوالديه؛ تفاصيل تزيد من وطأة المسؤولية على كاهلهما وتمنح قصتهما بعدًا إنسانيًا عالميًا. بالفعل، فيلم “Homebound” يمثل تحديات حياتهما.
وفي جوهره، يُعد “Homebound” صرخةً مدوية في البحث عن الكرامة والهوية…
إن مكمن القوة الحقيقي للفيلم، والذي جعله محط الأنظار في المهرجانات، يكمن في تجسيده للإذلال اليومي الذي يكابده الشابان جراء خلفيتهما الدينية والطبقية. الفيلم لا يلقي بالظلم في وجهك صراخًا، بل يجعله يتسرب إلى وجدانك همسًا موجعًا. “فيشال جيثوا” و”إيشان خاطر” يتقمصان شخصيتيهما بحميمية وعمق يثيران الإعجاب، مانحين الفيلم روحًا تمكننا من تحمل أقدار شخوصه المفجعة في هذه الدراما الأنيقة المعتصرة للقلب.

يوظف المخرج لغة بصرية آسرة، متنقلًا بين المشاهد الطبيعية الرحبة والأزقة الضيقة، ليرسم التباين الحاد بين اتساع أحلام الشباب وضيق أفق الواقع. أما الفيلم “Homebound” فهو ليس مجرد فيلم عن البحث عن وظيفة، بل هو عمل سينمائي ذو بأس، وموجع للفؤاد، والثناء الذي حظي به لم يكن وليد صدفة. عملٌ سيخلفك محطم الفؤاد، ولكنه ممتنٌ لهذه التجربة السينمائية الثرية التي ستبقى راسخة في الذاكرة السينمائية زمنًا طويلاً.


