بلاك كات 24 : لندن _ يتناول فيلم “Is This Thing On?” قصة انفصال زوجين بأسلوب يمزج بين الدراما المؤثرة والكوميديا اللاذعة، ليطرح أسئلة عميقة حول التواصل والألم والبحث عن الذات. فيلم Is This Thing يكشف الكثير عن العلاقات العاطفية.
يُعرض فيلم “Is This Thing On؟” للمخرج برادلي كوبر وبطولة ويل آرنيت ولورا ديرن، كأحد العروض الاحتفالية الكبرى (Gala) ضمن فعاليات مهرجان لندن السينمائي. وقد شهد الفيلم، الذي يوصف بأنه دراما كوميدية ساحرة عن تحديات منتصف العمر، إقبالاً جماهيرياً كبيراً، حيث نفدت تذاكر معظم عروضه المقررة أيام 14 و15 و19 أكتوبر.

من بريق الشهرة إلى واقعية الانفصال
بعد أن غاص بنا برادلي كوبر في عوالم الشهرة المتوهجة مع “A Star Is Born” ثم في أعماق العبقرية المعقدة لليونارد بيرنستاين في “Maestro”، يبدو أنه يخلع عباءة العظمة الفنية ليرتدي ثوب الواقعية البسيطة في عمله الإخراجي الثالث “Is This Thing On?”. فيلم Is This Thing يركز على تفاصيل حياتية يومية. في فيلميه السابقين، أثبت كوبر أنه ليس مجرد مخرج جيد، بل صانع أفلام بالفطرة، مخلوق من رحم عالم الأضواء، يفهم تفاصيله الدقيقة ويجيد تصوير أرواح الفنانين المعذبة. أما هنا، فهو يتخلى عن الأضواء الكاشفة والكواليس الصاخبة ليقدم لنا قصة عادية، حكاية زوجين من ضواحي نيويورك، يفترض بهما أن يمثّلا أيًا منا في مواجهة لحظة الانهيار الحتمي. إنه تحول مقصود نحو بساطة عفوية، وكأن الكاميرا أصبحت عينًا متلصصة تلاحق خطواتهم المترددة على طريق الفراق.

عندما تتصدع جدران المنزل الهادئ
يضعنا الفيلم في قلب حياة أليكس (ويل آرنيت) وتيس (لورا ديرن) بعد عشرين عامًا من الزواج أثمرت عن طفلين. هو يعمل في “القطاع المالي”، وهي العبارة المبهمة التي لا نرى لها أي أثر في حياته، بينما هي أم متفرغة ذات ماضٍ رياضي لامع كعضو في الفريق الأولمبي للكرة الطائرة. تبدأ المأساة الهادئة بمحاولاتهما البائسة لإيجاد “اللحظة المناسبة” لإخبار طفليهما بقرار الانفصال، ليكتشفا أنه لا وجود لمثل هذه اللحظة. ينتقل أليكس إلى شقة موحشة في المدينة، ويقتني حافلة فولكس فاجن كرمز لحريته الجديدة، وتستمر الحياة في روتين هش من الأبوة المشتركة، خالٍ من الصراع الظاهري، لكنه مشبع بحزن مكتوم. فما الذي يحدث عندما ينطفئ الحب بهدوء، تاركًا خلفه فراغًا لا تملؤه سوى الذكريات والأسئلة؟ فيلم Is This Thing يقدم رؤية مميزة للنهايات الهادئة.

الكوميديا كطوق نجاة… أم كشف للمستور؟
في ليلته الأولى وحيدًا، يقوده القدر إلى “كوميدي كلوب”، حيث يجد نفسه مضطرًا للصعود إلى المسرح ليؤدي فقرة ارتجالية مقابل الدخول مجانًا. هنا، تكمن المفارقة الكبرى للفيلم. أليكس، رجل المال الذي لم يعتلِ مسرحًا في حياته، يبدأ في تحويل مأساته الزوجية، تفاصيل انفصاله، بل وأسرار علاقته الحميمة، إلى مادة للضحك. لا يقدمه الفيلم كهاوٍ مرتبك، بل كرجل وجد فجأة منصة ليصرخ بألمه. إنه ليس مجرد كوميديان، بل هو من أبرز الشخصيات التي قدمها فيلم Is This Thing. إنها ليست قصة صعود كوميديان، بل قصة رجل يستخدم الكوميديا كجلسة علاج نفسي علنية. فهل أصبحت الكوميديا مرآة العصر التي نعكس فيها هشاشتنا، أم مجرد وسيلة أخرى للتخدير الذاتي، حيث يتحول أعمق جروحنا إلى نكتة عابرة؟

بين الواقعية الناعمة ومصادفات السينمائية
يبرع الفيلم في خلق شعور حلو ومر، فهو قابل للمشاهدة ومثير للملاحظة، لكنه يفتقر إلى القسوة اللازمة. ويل آرنيت يقدم أداءً لطيفًا، لكنه يبدو كأبٍ قادم من مسلسل كوميدي، شخصية حادة اللسان لكنها في جوهرها غير مؤذية، تفتقر إلى الخطر الذي يميز نجوم السينما الكبار. على النقيض، تضفي لورا ديرن على شخصيتها عمقًا حزينًا، فرغم أنها تبدو الطرف الذي أراد الانفصال، إلا أن شعورها بالندم يظل حاضرًا. الفيلم يغلّف مرارة الانفصال بغلاف من الراحة والأمان، فالزوجان ميسوران بما يكفي ليعيشا انفصالًا “فاخرًا”، وخلافهما مبني على سوء الفهم أكثر من الغضب الحقيقي. وتأتي ذروة المصادفات السينمائية عندما تحضر تيس برفقة صديقها الجديد إلى النادي ذاته الذي يؤدي فيه أليكس فقرته، لتسمع تفاصيل حياتهما معروضة للجمهور. وهنا يظهر فيلم Is This Thing بأروع تجلياته في مشاهد الكوميديا. فهل يمكن أن تكون هذه المواجهة الصادمة على الملأ هي أنقى أشكال العلاج الزوجي التي عجزا عن بلوغها في غرف مغلقة؟

فريق عمل متناغم
تتجلى بصمة المخرج بوضوح في اللغة السينمائية للفيلم. اعتمد كوبر على مدير التصوير ماثيو ليبيتيك لتقديم صورة بصرية حميمية ومضطربة عبر استخدام الكاميرا المحمولة باليد، مما يضع المشاهد في قلب التصدعات العاطفية للشخصيات ويمنح الفيلم إحساسًا وثائقيًا وواقعيًا. يأتي النص، الذي شارك في كتابته كوبر وآرنيت نفسه، حادًا وذكيًا، يوازن بين حوارات مؤلمة ونكات لاذعة تعكس صدق الموقف. ويكتمل هذا التناغم مع مونتاج يبرز التناقض الحاد بين هدوء الضواحي وصخب مسارح الكوميديا في المدينة، وموسيقى تصويرية تعزز الشعور الحلو المر الذي يسود الفيلم. أما على صعيد الأداء، فإن الفيلم يرتكز على طاقم تمثيلي قوي، فبجانب آرنيت وديرن، يقدم كل من أندرا داي وبرادلي كوبر نفسه (في دور شقيق أليكس) أدوارًا مساندة تضيف عمقًا وغنى للقصة.

في نهاية المطاف، يتركنا “Is This Thing On?” أمام سؤال جوهري حول طبيعة التواصل الإنساني. إن الفيلم لا يقدم كوميديا طلاق مبهجة بقدر ما يقدم تأملًا في فكرة أننا جميعًا فنانون نؤدي عروضنا على مسرح الحياة. قد يكون الزواج نفسه هو أعظم عرض مسرحي، وعندما يسدل الستار، لا بد من الاعتراف بالألم قبل أن يستمر العرض. فالمايكروفون الذي يسأل أليكس إن كان يعمل، ليس مجرد أداة، بل هو صرخة كل إنسان يتساءل: هل يسمعني أحد؟ هل يرى أحد ألمي؟ وفي البحث عن إجابة، قد لا نجد حلاً سحرياً لمشاكلنا، ولكن ربما نجد شيئاً أثمن: صوتنا الخاص، واليقين بأن هناك من يستمع.


