صرخة بيئية بعيون طفلة.. فيلم “Nora’s Ark” يعيد صياغة “الطوفان” في ملحمة تحريك تنافس على نخلة ترومسو الذهبية
بلاك كات 24 : النرويج _ في قلب الظلام القطبي الذي يلف مدينة ترومسو النرويجية، حيث تلتقي برودة الجليد بدفء الحكايات، تحولت ساحة “ستورتورجت” (Stortorget) صباح اليوم الاثنين، 19 يناير 2026، إلى مسرح مفتوح للحياة والأمل، معلنة الانطلاق الرسمي لفعاليات مهرجان ترومسو السينمائي الدولي (TIFF 2026) في دورته الجديدة، بحدث استثنائي لم يسبق له مثيل تمثل في العرض العالمي الأول لـ فيلم “Nora’s Ark” (سفينة نورا).

وتحت سماء القطب الشمالي، احتشد أكثر من 700 تلميذ من مدارس المدينة، متلحفين بمعاطفهم الشتوية وشغفهم، ليتابعوا عبر شاشة “السينما الخارجية” (Outdoor Cinema) أولى لقطات هذا العمل الذي يمثل فخراً لصناعة التحريك النرويجية. إن اختيار إدارة المهرجان لفيلم تحريك ليفتتح هذا القسم الجماهيري في تمام التاسعة والربع صباحاً، لم يكن مجرد خيار برمجي عابر، بل رسالة فنية وسياسية عميقة تضع قضايا المناخ ومستقبل الكوكب في صدارة المشهد السينمائي، خاصة وأن الفيلم ينافس بشراسة ضمن برنامج “أفلام من الشمال” (Films From The North) على جائزة “نخلة ترومسو” (Tromsø Palm) المرموقة.

يأتي فيلم “Nora’s Ark” بتوقيع المبدع أندريه لوند إريكسن، كاتباً ومخرجاً، وبمشاركة المخرج الشريك إيساك جيرتسن، الذي وظف خبرته الطويلة التي نال عنها جائزة “غولدباغ” السويدية سابقاً، ليقدم تقنية “القصاصات” (cut-out technique) بأسلوب بصري مدهش يمزج بين الكلاسيكية والحداثة، مانحاً الشخصيات والخلفيات عمقاً يخدم سوداوية الكارثة وجمال الأمل في آن واحد. وتغوص أحداث الفيلم، الممتدة لعشرين دقيقة مكثفة، في رؤية معاصرة ومغايرة لقصة “سفينة نوح” التاريخية، حيث يعيد الفيلم صياغة الأسطورة من منظور طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات تدعى “نورا”، تجد نفسها في مواجهة طوفان مناخي يغرق قريتها القطبية في المستقبل القريب.

وهنا تتجاوز الحبكة مجرد الهروب من الكارثة لتطرح إشكاليات أخلاقية معقدة حول الاستحقاق والبقاء؛ فالأب، الذي يتقمص دور “نوح” العصري، يجهز قارب صيد لإنقاذ العائلة والحيوانات الكبيرة “النافعة”، لكنه يرفض بصرامة حمل الحشرات، معتبراً إياها “آفات” تنقل المرض والموت، ليضع ابنته أمام اختبار قيمي صعب. لا تستسلم “نورا” لمنطق الكبار البرجماتي، بل تقرر بحزم أن تقود مهمة إنقاذ موازية، مجهزة قاربها الصغير الخاص ليكون “سفينة نورا” الحقيقية، لتنقذ صديقها المفضل الخنفساء “بيلي” وباقي الحشرات، في تمرد صريح يعكس الفجوة العميقة بين الأجيال في التعاطي مع أزمة المناخ؛ جيل الآباء الذي يبحث عن النجاة التقليدية، وجيل الأبناء الذي يدرك بوعيه الفطري أن انهيار أصغر حلقة في السلسلة البيئية (الحشرات) يعني انهيار النظام الحيوي بأكمله. هذا الصراع الدرامي المتصاعد بين الأب وابنته على متن القوارب المتأرجحة وسط الأمواج، يتحول إلى مرآة تعكس تخبط العالم اليوم أمام التحديات البيئية، وكأن الفيلم يهمس للمشاهد بأن الحلول الجزئية التي تستثني الكائنات الصغيرة لن تجدي نفعاً. الجماليات البصرية للفيلم تكاملت مع إبداع المديرة الفنية الهولندية ليندي فاس، التي نقلت لمساتها الفنية من الشاشة إلى صفحات الكتاب المصور الذي صدر بالتزامن مع الفيلم، لتخلق عالماً بصرياً موحداً يغمر المتلقي. ولم تكن الموسيقى مجرد خلفية صوتية، بل عنصراً درامياً حياً، حيث قام المؤلف الموسيقي هيرمان روندبيرغ (Manne) بصياغة مقطوعات ملحمية نفذتها “أوركسترا القطب الشمالي” (Arctic Philharmonic)، لتتوج هذه الحالة الفنية بإطلاق الأغنية الرسمية للفيلم “Noras Sang – Nora Lávlla” صباح اليوم، بصوت الموهبة الصاعدة فيينا بيلتوبيرا أوستفانج، ابنة الخمسة عشر ربيعاً، التي لم تكتفِ بالغناء بل منحت صوتها لشخصية “نورا” في الفيلم، مضفية مصداقية مذهلة على أداء الشخصية، بينما شارك المخرج أندريه لوند إريكسن بصوته في دور الأب، والممثلة ترود أوينس في الأدوار الأخرى. إن فيلم “Nora’s Ark” ليس مجرد منتج محلي، بل هو ثمرة إنتاج أوروبي مشترك عابر للحدود بين شركة “Fabelfjord” النرويجية وشركة “Damm It” الكرواتية، بدعم سخي من معهد الفيلم النرويجي وصندوق “HAVC” الكرواتي، مما يعكس الثقة الكبيرة في القيمة الفنية لهذا العمل. ومن المقرر أن تتواصل عروض الفيلم لتمنح جمهور المهرجان فرصاً أخرى للمشاهدة يومي الأربعاء والخميس، وتختتم بعرض يوم السبت 24 يناير، ليترسخ الفيلم كواحد من أهم إنتاجات العام 2026.

إن وقوف مئات الأطفال اليوم في ساحة “ستورتورجت” وسط البرد القارس لمشاهدة قصة عن الفيضان والبقاء، هو في حد ذاته مشهد سينمائي واقعي يؤكد أن الفن الصادق قادر على التدفئة، وأن رسالة “نورا” قد وصلت: كل حياة، مهما صغرت، تستحق أن نجهز لها سفينة.


