كيف يكشف صناع فيلم The Six Billion Dollar Man وهم الديمقراطية الأمريكية وحرية التعبير
الكاتب : أحمد قرمد
في ذكرى مرور عشرين عاماً على تأسيس منصة WikiLeaks، أطل علينا المخرج الأمريكي Eugene Jarecki بتحفته الوثائقية فيلم The Six Billion Dollar Man الصادر عام 2025. لا يقف هذا العمل عند حدود التوثيق الكلاسيكي، بل يتجاوزه ليكون محاكمة سينمائية صارمة تكشف زيف الادعاءات الغربية، وتحديداً الأمريكية، حول حرية الرأي والتعبير.

من خلال فوزه التاريخي كأول فيلم وثائقي يحصد جائزة Golden Globe، وتتويجه بجائزة (L’Œil d’or) الكبرى في مهرجان Cannes السينمائي حيث عُرض لأول مرة في 21 مايو 2025، يثبت الفيلم أنه ليس مجرد استعراض لأزمة Julian Assange، بل يمثل تشريحاً سينمائياً قاسياً يفضح آلة القمع السلطوية، ويعرّي بشراسة تلك الأنظمة الأمريكية التي تتشدق بالديمقراطية وحرية التعبير بينما تسحق بلا رحمة من يجرؤ على كشف أسرارها المظلمة.
وقد كان من المقرر أن يشهد فيلم The Six Billion Dollar Man عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات مهرجان Sundance السينمائي في الفترة من 23 يناير إلى 2 فبراير 2025، وهو المهرجان الذي يمثل واجهة السينما المستقلة في عقر دار الولايات المتحدة. إلا أن يوجين جاريكي اتخذ قراراً مفاجئاً بسحبه في اللحظات الأخيرة. ورغم تبرير المخرج في بيانه الرسمي بأن ظهور تطورات جوهرية وغير متوقعة في قلب القضية جعل من المستحيل الانتهاء من العمل في الوقت المحدد، مشدداً على التزامه الصارم بتقديم وثيقة تاريخية لا تقبل المساومة، إلا أن هذا التراجع المريب يتركنا أمام تساؤل نقدي مشروع وخطير: هل كانت هذه التبريرات مجرد غطاء لأسباب فنية، أم أن أمريكا تدخلت بأذرعها الخفية لمنع عرض وثيقة تعري ديمقراطيتها المزعومة وتفضح قمعها لحرية التعبير في واحد من أهم مهرجاناتها؟

يشرّح Jarecki ببراعة تلك القوى العميقة التي سعت لسحق جوليان أسانج، كاشفاً كيف تحولت المنظومة الأمريكية – التي طالما ادعت حراسة الحريات – إلى آلة مطاردة شرسة ضد ناشرٍ كل ذنبه أنه كشف الحقيقة للجمهور. يعود بنا الفيلم إلى عام 2010، مستعرضاً التسريبات المدوية وعلى رأسها “فيديو القتل العشوائي” الذي فضح ذبح القوات الأمريكية لمدنيين عزل في العراق. في هذا السياق، يواجه جوليان أسانج شبح الترحيل إلى أمريكا وأحكاماً مطولة تصل إلى 175 عاماً تحت طائلة قانون التجسس، بينما يُبرز فيلم The Six Billion Dollar Man كيف تم توظيف اتهامات الاغتصاب في السويد كمجرد ذريعة أولية لتسليمه في النهاية للسلطات الأمريكية. إنها مفارقة قاسية يطرحها العمل بأسلوب بصري يمزج بين التوثيق وإيقاع أفلام الإثارة التكنولوجية، مؤكداً أن الأنظمة الكبرى مستعدة لهدم مفاهيم الديمقراطية لسحق من يجرؤ على إزالة شاشات الدخان التي يختبئ خلفها قادة العالم.

كواليس فيلم The Six Billion Dollar Man: سيكولوجية العزلة والخيانة في قفص المراقبة
يحمل عنوان فيلم The Six Billion Dollar Man دلالة مرعبة؛ فهو يرمز إلى الثمن الباهظ والمزعوم الذي تقاضته الحكومة الإكوادورية الجديدة من إدارة ترامب مقابل سحب اللجوء السياسي لـ جوليان أسانج والمساعدة في تسليمه. عبر 129 دقيقة من السرد المشدود، نُحتجز مع Assange في سنوات اللجوء السبع التي تحولت تدريجياً إلى نوع من البرزخ الخانق داخل سفارة الإكوادور بلندن. ومن خلال لقطات كاميرات المراقبة (CCTV) السرية التي تُعرض لأول مرة، نشاهد جوليان أسانج وهو يذرع المكان جيئة وذهاباً، في تكوين بصري مشحون ببارانويا العزلة، يستدعي ببراعة كابوس الرقابة السلطوية الخانقة الذي تجسد في التحفة الألمانية Das Leben der Anderen (The Lives of Others)؛ حيث يدرك البطل بمرارة أنه بات مكشوفاً ومحاصراً بالكامل، لتتحول الجدران التي كان يُفترض أن تمثل ملاذه الآمن إلى زنزانة شفافة تخنقه ببطء تحت مقصلة الرقابة المفتوحة.
بذكاء سردي بالغ، يتجاوز فيلم The Six Billion Dollar Man فخ التمجيد الساذج ولا يقدم جوليان أسانج كقديس معصوم من الخطأ، بل يجرده من أي هالة أسطورية ليعرضه كإنسان مركب ومثقل بالتناقضات، ليوجه المخرج عدسته النقدية بصرامة نحو تلك الجوقة من الخونة والمنافقين الذين أحاطوا به. يسلط العمل ضوءاً كاشفاً على بشاعة الطعنات القادمة من الدائرة المقربة، متوقفاً عند شخصيات انتهازية مثل المراهق المخترق Sigurdur “Siggi” Thordarson الذي لم يكتفِ باختلاس 50 ألف دولار، بل تحول إلى أداة طيعة وارتدى جهاز تنصت لصالح المباحث الفيدرالية (FBI)، إلى جانب أفراد الأمن الخاص في السفارة الذين تجردوا من أبسط القواعد الأخلاقية وتجسسوا عليه ليبيعوا خصوصيته في سوق الابتزاز الرخيص.

ولبناء هذه الجدارية السينمائية المعقدة، نسج المخرج شبكة سردية متعددة الأصوات، مستعيناً بشهادات حيوية تمتد من Naomi Klein و Pamela Anderson، وتصل إلى Daniel Ellsberg والرئيس الإكوادوري الأسبق Rafael Correa. هذا البناء الوثائقي تلاحم بعبقرية مع موسيقى تصويرية مشحونة بالشجن والتوتر النفسي الخانق، صاغها كل من Akin Sevgör و Niklas Paschburg، لتنقل المشاهد إلى قلب العزلة الموحشة. في محصلته النهائية، لا يُعد فيلم The Six Billion Dollar Man مجرد مرافعة دفاعية عن جوليان أسانج، بل هو صفعة مدوية على وجه المنظومة الأمريكية التي تتشدق زيفاً بحرية التعبير، تاركاً إيانا أمام حقيقة كابوسية قاسية: في عصر المراقبة الشاملة وديكتاتورية الأنظمة الكبرى، أصبح كشف الحقيقة هو الجريمة الوحيدة التي لا تُغتفر.
