بلاك كات 24 : القاهرة _ في قلب القاهرة، وفي مقره النابض بالفن معهد جوته، يواصل “أفلام البستان” “أسبوع أفلام البستان”، المقام في الفترة من الثالث والعشرين وحتى السابع والعشرين من سبتمبر، رحلته العميقة في استكشاف عوالم السينما. هذا الحدث، الذي يقام بالتعاون مع ارسنال برلين في إطار مشروعهم Arsenal on Location وكذلك مع سيماتيك القاهرة، قد تحول على مدار الأيام الماضية إلى ملتقى حقيقي لعشاق الفن السابع. فبعد ليلة افتتاحية أعادت للذاكرة التحفة السورية “أحلام المدينة”، ويوم ثانٍ تعمّق في حوارات الإنتاج المشترك واستعاد ذاكرة السينما السودانية، ثم يوم ثالث سافر بين نقد برلين وشاعرية بيروت، جاء اليوم الرابع، الجمعة، ليكون بمثابة جلسة استحضار أرواح؛ أرواح الذاكرة المفقودة، أشباح الخوف في المدن، وروح التجريب التي ترفض أن تموت.

بدأت فعاليات اليوم في تمام الثالثة عصرًا مع فيلم “أوضة الفيران”. في قلب الإسكندرية النابض، تتقاطع ست قصص شبيهة بخيوط طبق الكشري الساخن، كل واحدة تحمل خوفًا مختلفًا يجثم على الصدور كشبح في غرفة مظلمة. ينسج أحمد مجدي مرسي وفريقه الشاب تجربة إنتاجية متواضعة، لكنها تنفجر بطاقة حيوية تجعل المدينة بطلة، مع أزقتها الملتوية وذكرياتها الثقافية الثرية في حدث “أفلام البستان”. استقبل الجمهور الفيلم بمزيج من الدهشة والفضول، محاولين فك شفرة هذا الكائن السينمائي الفريد. علت بعض الهمسات المتسائلة في البداية، لكن سرعان ما استسلم الجميع للطاقة الحيوية المنبعثة من الشاشة. مع نهاية العرض، تحولت المشاهدة إلى نقاشات جانبية حية في أروقة المعهد حول جرأة التجربة، في شهادة على أن السينما المستقلة قادرة على خلق عالم كامل يثير الجدل والنقاش.

وعند الخامسة مساءً، تحولت القاعة إلى ساحة حوار مفتوحة مع ندوة “تراث السينما العربية اليوم: مناهج وممارسات”. أدارت ماجي مرجان النقاش بحرفية بين ستيفاني شولت شتراهاوس التي قدمت منظور مؤسسة أرسنال الأوروبي في الترميم، وتامر السعيد الذي عكس واقع الحفاظ على التراث عبر سيماتيك. وانطلاقًا من دراسة حالة ترميم فيلم عمر أميرالاي “الحياة اليومية في قرية سورية”، تعمق الحوار في استكشاف التحديات والفرص المتاحة أمام المؤسسات في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للتعاون بشكل أوثق في مجال التبادل الثقافي. يُعد الحدث جزءًا من “أفلام البستان” الذي يشجع على التعاون الثقافي. وسرعان ما امتد هذا الطرح من المنصة إلى الجمهور الذي ضم سينمائيين وباحثين، حيث تحولت مداخلاتهم وأسئلتهم الملحة حول مصير الأرشيفات إلى دعوة جماعية عاجلة لإنقاذ ذاكرتنا المشتركة، مما أثبت أن قضية التراث هي قضية الجميع، خاصة في مناسبات مثل “أفلام البستان”.

وفي تمام السابعة مساءً، جاء موعد الجمهور مع فيلم “صيف تجريبي”. يأخذنا محمود لطفي في رحلة بحث عن فيلم وهمي من ثمانينيات القرن الماضي، فيلمٌ صادرت الرقابة نسخه وأخفته عن الأنظار، في تجربة أشبه بالكابوس الذي يعكس أزمة السينما المستقلة المصرية بغموض ساحر. أثناء العرض، ساد القاعة جو من الترقب، حيث انخرط الجمهور في رحلة البطل المتاهية. بوضوح، لطالما اختارت أفلام البستان دعم مثل هذه الأعمال الفريدة والمستقلة. وما إن انتهى الفيلم حتى تحول هذا الغموض إلى حوار مفتوح وشغوف مع المخرج محمود لطفي، حيث حاول الجمهور معه فك شيفرات العمل، في لحظة تفاعلية كشفت كيف يمكن للسينما التجريبية أن تثير نقاشًا حيًا ومباشرًا. الفيلم تكريم لحب السينما، ويثبت أن التجريب ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء، مثلما تفعل “أفلام البستان”.

واختتمت الأمسية في التاسعة مساءً مع فيلم “سمعان بالضيعة”. في جبال لبنان الشبحية، يرسم سيمون الهبر تأملًا وثائقيًا في عزلة عمه سمعان، الذي يتمسك بقريته المدمرة تمسك الجذور بالأرض رافضًا الاقتلاع. خيم على القاعة صمت تأملي ثقيل أثناء العرض، لم تقطعه إلا أنفاس الحضور المتأثرة. بالنسبة لأفلام البستان، يعتبر هذا الفيلم مساهمة مهمة في مشوارها اللافت. مع نهاية الفيلم، لم يكن هناك تصفيق صاخب، بل لحظات من الصمت الممتلئ بالاحترام، وكأن الجمهور يتردد في كسر الحالة الشعرية الموجعة. هذا الفيلم شهادة على لبنان الممزق، ويذكرنا بأن العودة ليست اختيارًا، بل واجب أخلاقي.

Videokunst e.V
وعلى مدار اليوم، استمر عرض تركيب الفيديو “كايروغرافيا” و”أن تكون شريرًا…”، وهو ثمرة تعاون بين الفنانة كيندا حسن والمصممة الكوريغرافية داليا ناوس، ليحول القاهرة إلى لوحة حية عامرة بالتوتر، ويفتح بابًا للحوار عن الجسد في الفن العربي المعاصر، مذكرًا بأن الرقص ليس ترفيهًا، بل هو صرخة.

وهكذا، أسدل اليوم الرابع من “أسبوع أفلام البستان” ستاره على رحلة عميقة ومكثفة عبر أروقة الذاكرة والتراث السينمائي العربي. من تجريب الإسكندرية الحيوي، إلى النقاشات الملحة التي اشتعلت بتفاعل الجمهور حول حفظ أرشيفنا، ومن مطاردة الأشباح السينمائية المفقودة، إلى الصمود الفردي في وجه الفقدان. في كل هذا، تألق اسم أفلام البستان كمنارة ثقافية حقيقية. ومع تبقي يوم واحد فقط، تتجه الأنظار إلى اليوم الختامي الذي يعد بالمزيد من الكنوز السينمائية واللقاءات الهامة، ليكتمل بذلك أسبوع حافل أثبت من جديد أهمية السينما كذاكرة وضمير حي للمجتمع.


