من حراسة التراث إلى هندسة الاستراتيجيات: قائمة تكريمات العام الجديد تخلد مسيرة رواد معهد الفيلم البريطاني
بلاك كات 24 : لندن _ في لحظة وفاء استثنائية تُتوج مسيرة عقود من العطاء الصامت خلف العدسات وأمامها، استقبلت الأوساط الثقافية في المملكة المتحدة بترحيب واسع الإعلان عن قائمة تكريمات العام الجديد التي أصدرها جلالة الملك، والتي حملت تقديراً ملكياً رفيعاً لشخصيات وهبت حياتها لخدمة الفن السابع عبر معهد الفيلم البريطاني (BFI).

حيث تصدر المشهد النجم العالمي والمحافظ السابق للمعهد (2019-2023) إدريس إلبا الذي مُنح رتبة فارس (Knighthood) تقديراً لجهوده الملهمة في دعم الشباب، ليكون هذا اللقب تتويجاً لمسيرة فنان لم يكتفِ بالنجومية بل سخرها لتمهيد الطريق للأجيال القادمة.

وفي عمق المشهد الصناعي، احتفت قائمة تكريمات العام الجديد باثنين من جنود الظل العظماء بمنحهم وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE)، وهما تينا ماكفارلين، العقل الاستراتيجي المدبر، وديفيد جورني، حارس الذاكرة البصرية، حيث جاء تكريم ماكفارلين، التي شغلت منصب رئيس الاتصالات الاستراتيجية في المعهد حتى يوليو 2025، تتويجاً لرحلة مهنية مذهلة امتدت لأكثر من 45 عاماً، بدأتها كصحفية سينمائية ثاقبة الرؤية في الثمانينيات، لتتحول لاحقاً إلى قوة دافعة في مجلس الفيلم البريطاني ومعهد BFI، لاعبةً دوراً محورياً في صياغة سياسات حيوية مثل الإعفاءات الضريبية لقطاع الشاشة وائتمان ضريبة الأفلام المستقلة، وهي المبادرات التي قفزت بالإنتاج البريطاني إلى العالمية، فضلاً عن دورها الإنساني البطولي خلال جائحة كوفيد-19، حيث ناضلت لتأمين سبل العيش للمستقلين والشركات عبر صندوق التعافي الثقافي، حاميةً بذلك البنية التحتية الثقافية من الانهيار، ناهيك عن أياديها البيضاء في توجيه المواهب ودعم التنوع وإطلاق شركات رائدة مثل “Altitude”.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة الفنية، كرمت قائمة تكريمات العام الجديد ديفيد جورني (MBE)، الذي تقاعد في صيف 2025 بعد 40 عاماً من العشق للكيميائيات البصرية، بدأها كمتدرب في معامل “رانك” وصولاً لقيادة عمليات المعمل في الأرشيف الوطني لمعهد الفيلم البريطاني منذ 2005، حيث قاد فريقاً من السحرة التقنيين لترميم وصيانة الكنوز السينمائية، مبتكراً تقنيات ثورية لنسخ الأفلام الهشة التي عجزت الماسحات الضوئية الحديثة عن قراءتها، ومساهماً ببراعة في عبور الأرشيف الوطني جسر الانتقال المعقد من العصر التناظري إلى العالم الرقمي الهجين، ليثبت هؤلاء المكرمون أن السينما ليست مجرد نجوم على الشاشة، بل هي تاريخ يُحفظ، واستراتيجيات تُبنى، وأرواح تتفانى ليبقى السحر مستمراً.


