في الدورة الـ14 لأقدم مهرجان دولي لكتب الفن في كندا.. كيف حوّل معرض فانكوفر لكتب الفن الطباعة المستقلة إلى احتفال جماعي بالإبداع؟
بلاك كات 24 : كندا _يشهد مركز راوندهاوس للفنون والترفيه المجتمعي في كندا إسدال الستار على فعاليات الدورة الرابعة عشرة من معرض فانكوفر لكتب الفن (Vancouver Art Book Fair 2026)، والذي يمثل المحطة الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ مهرجانات كتب الفنون المستقلة على الساحة الكندية بأكملها. على مدار ثلاثة أيام متتالية، انطلقت ملامحها منذ مساء الجمعة الخامس عشر من مايو وتستمر حتى مساء اليوم الأحد السابع عشر من مايو 2026، نجح هذا الحدث الثقافي البارز في التحول إلى منصة تفاعلية نابضة بالحياة تجمع ما يزيد عن مئة ناشر وفنان ومجموعة إبداعية محلية ودولية جاءت من مختلف قارات العالم لتشغل ثمانين طاولة عرض مصممة للاحتفاء بالمطبوع الورقي في مواجهة الطغيان الرقمي المعاصر. وتتجاوز هذه النسخة الهوية التقليدية للمعارض التجارية البحتة، لتغدو تجربة بصرية ومعرفية مجانية ومفتوحة بالكامل أمام الجمهور العريض، حيث يلتقي الشغف الشخصي بالوعي الجمعي عبر استعراض تشكيلة مذهلة من الكتب الفنية الفاخرة، والمجلات الثقافية التجريبية، والمطبوعات اللحظية، والـ “زينز” المخرجة يدوياً بكثير من العناية والفرادة. إن هذا التجمع الدولي يطرح بياناً جمالياً بليغاً يؤكد صمود الملمس الحسي للورق وقدرته على توليد مشاعر إنسانية لا يمكن للأنظمة الرقمية تعويضها، معيداً صياغة العلاقة الجدلية بين القارئ والمادة المطبوعة؛ فلم يعد الكتاب مجرد وعاء سلبي للمعلومة، بل غدا عملاً فنياً متكاملاً قائماً بذاته يفرض سلطته البصرية ويدعو إلى تفاعل حي وعميق يثري الذاكرة الجمالية لزوار هذا المحفل الكندي الفريد.

استراتيجيات “صنع العام” وتحويل الصفحات الخاصة إلى فضاءات للمقاومة وحفظ الذاكرة المشتركة
وفي عمق الرؤية التحليلية والنقدية التي يتبناها معرض فانكوفر لكتب الفن خلال هذه الدورة، تبرز فلسفة السيمبوزيوم الرسمي المتمحورة حول المفهوم الاستراتيجي “صنع العام” (Making Public[s])، وهي الأطروحة الفكرية الحيوية التي تسعى بجدية إلى تحويل الصفحة الورقية الخاصة والقصص الذاتية للفنانين إلى فضاءات شاسعة للحوار والاشتباك المجتمعي المشترك. فلم يعد هذا المهرجان مجرد سوق عابر لتبادل المطبوعات النادرة أو بيعها، بل تحول إلى مختبر حقيقي لإنتاج الأفكار وتشريح الأدوار الاجتماعية والسياسية الحتمية للطباعة المستقلة في العصر الحالي؛ حيث شهدت قاعات العرض على مدار الأيام الثلاثة سلسلة مكثفة من الحلقات النقاشية المعمقة، والأداءات التعبيرية الحية، والعروض البصرية التي فككت قضايا بالغة الحساسية مثل “النشر كاستراتيجية فنية عابرة للحدود” و”الكتابة كأداة للمقاومة والتغيير”. إن هذه الفعاليات المصاحبة تؤكد بوضوح أن صناعة المطبوع المستقل لا تنفصل عن الفعل النضالي الواعي الذي يهدف إلى حماية الذاكرة الجماعية للشعوب وتوثيق سردياتها الهامشية في مواجهة ماكينات النشر التجاري الكبرى. وتحت الإشراف التنظيمي الرصين للفريق غير الربحي المسؤول عن إدارة معرض فانكوفر لكتب الفن، قُدمت مساحة ديمقراطية حرة أتاحت للزوار فرصة التصفح الحر والاشتباك المعرفي المباشر مع صناع الكتب والمنظرين، مما يرسخ دور المطبوع الفني المستقل كرافعة أساسية لبناء مجتمعات واعية وقادرة على صياغة هويتها الجماعية والدفاع عن ذاكرتها المشتركة بحرية كاملة خارج أطر التسليع الرأسمالي التقليدي.


