تحت شعار “حضارتان.. لغة واحدة من الحروف”.. العاصمة البولندية تستعد لاستضافة معرض وارسو الدولي للكتاب بوصفه أكبر تظاهرة أدبية تحتفي بصناعة النشر المستقل
بلاك كات 24 : بولندا _يستعد استاد “بي جي إي نارودوفي” (PGE Narodowy) في العاصمة البولندية وارسو، لاستضافة فعاليات نسخة عام 2026 من معرض وارسو الدولي للكتاب، والتي تنطلق رسمياً خلال الفترة من 28 إلى 31 مايو الجاري، محملة بآفاق فكرية استثنائية تحتفي بإمارة الشارقة كضيف شرف رسمي؛ حيث يقود هذا البرنامج الثقافي الضخم “هيئة الشارقة للكتاب” تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبإشراف مباشر من الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة الهيئة، والتي ترافق وفداً رفيع المستوى يضم 35 كاتباً وشاعراً ومبدعاً إماراتياً، إلى جانب ممثلي 21 مؤسسة ثقافية وأكاديمية وطنية تشغل جناحاً مخصصاً يمتد على مساحة 400 متر مربع. وتتحرك المشاركة الإماراتية هذا العام تحت شعار مرئي وفلسفي لافت هو “حضارتان.. لغة واحدة من الحروف” (Two civilizations. One language of letters) لتجسيد التقاطعات البصرية والتناغم الهيكلي بين الحرفين العربي والبولندي عند اصطفافهما معاً لتوصيل رسالة معرفية موحدة تتجاوز تباين الألسنة، وذلك من خلال أجندة تخصصية دقيقة تشتمل على 34 فعالية ثقافية متكاملة، تتوزع بين 29 ندوة حوارية و5 أمسيات شعرية، بمشاركة 15 مبدعاً وباحثاً بولندياً صاغوا مع نظرائهم الإماراتيين قراءات نقدية جادة تبحث قضايا الترجمة البينية والتعاون المشترك في قلب المعرض وفي أروقة جامعة وارسو، مما يعزز ريادة هذا المحفل الدولي الكبير الذي تخطى زواره في النسخة الماضية حاجز 130 ألف زائر، ويفتح نوافذ مهنية حية لتبادل حقوق النشر ودعم حركة التأليف المستقل.

أطياف الفكر المعاصر فوق منصات الحوار: نخبة الأدب الإماراتي والبولندي في مواجهات نقدية مشتركة
يتيح هذا التلاقح المعرفي لرواد معرض وارسو الدولي للكتاب فرصة استثنائية للاشتباك النقدي المباشر مع ملامح منجز إبداعي إماراتي يعكس تنوع الأجيال وتعدد المدارس الفكرية المعاصرة، متميزاً بتجذره الأصيل في بيئته وموروثه التراثي، مع انفتاحه الحيوي على الأسئلة الإنسانية الراهنة الكبرى المتعلقة بالذاكرة وقضايا التحديث، حيث تكتسب هذه اللقاءات طابعاً عملياً جاداً عبر مواجهات نقدية ثنائية تجمع المبدعين العرب بنظرائهم من بولندا فوق منصة واحدة لتشريح البنى السردية والجمالية؛ إذ تقود الدكتورة هند المشموم، الباحثة المتخصصة في اللغويات والنقد، ندوة موسعة تبحث “قصص النساء في الأدبين الإماراتي والبولندي” بالاشتراك مع الروائية البولندية غرازينا بليبانيك (Grażyna Plebanek)، في حين يناقش الإعلامي والروائي ظاعن شاهين، رئيس التحرير الأسبق لجريدة البيان، أطروحة “تنوع التجارب الإنسانية في الرواية الإماراتية والبولندية” رفقة الكاتب فيت شوستاك (Wit Szostak). كما يحضر المنجز الشعري والنقدي بقوة عبر مشاركة الدكتور سلطان العميمي، رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ومدير أكاديمية الشعر العربي، الذي يستعرض ملامح السرد والبحث التوثيقي، بجانب الشاعرة خلود المعلا التي تمتاز قصائدها بنزعة صوفية لافتة تُرجمت إلى لغات عدة، والشاعرة والكاتبة كلثم عبد الله التي تركز في نتاجها على ثيمات الهوية والمجتمع، والشاعر عبد الرحمن الحميري الحائز على لقب أمير الشعراء، والشاعرة والباحثة شيخة المطيري التي تلتقي الكاتبة أوبينا غرابوفسكا (Ałbena Grabowska) في جلسة مخصصة لمناقشة “فن سرد القصص عبر التجارب الروائية”، ولا تتوقف هذه الشراكات عند حدود الأدب العام، بل تمتد لتشمل حوارات المسرح المعاصر؛ حيث يقدم الدكتور حبيب غلوم العطار، الأكاديمي والباحث الدرامي، قراءة مقارنة لـ “المسرح الإماراتي والبولندي: الأسس والآفاق المستقبلية” بمشاركة الباحث سيباستيان غادومسكي (Sebastian Gadomski)، بينما تبحث الروائية نادية النجار آليات التجديد في ندوة “أدب الأطفال بين الابتكار والتجديد” رفقة الكاتبة باربرا كوسموفسكا (Barbara Kosmowska)، تحت إدارة وتنسيق نخبة من كبار الإعلاميين والمحاورين البولنديين مثل يرزي كيسيلفسكي وشيمون كلوسكا ومارتا كوريكا وبلانكا كاتارينا دجوجاي، وتتجاوز هذه الحوارات فضاء الاستاد الرياضي لتأخذ أبعاداً أكاديمية وبحثية أعمق، حيث يستضيف قسم الدراسات العربية والإسلامية بكلية الثقافات الآسيوية والأفريقية في جامعة وارسو جلسات تخصصية يشارك فيها الدكتور عبد الحكيم الزبيدي إلى جانب باحثين من البلدين، متمحورة حول إشكاليات الترجمة الأدبية والتبادل الحضاري، ودراسة الكيفية التي يسهم بها الأدب والفنون في تفكيك قضايا العصر ومقاومة التهميش المعرفي.

زخم المؤسسات وبلاغة السرد العالمي: أربعمائة متر مربع تحضن الصناعة الثقافية وأقطاب التشويق الدولي
ويتجسد الحضور المؤسسي المنظم للشارقة في جناحها الممتد على مساحة أربعمائة متر مربع (Pavilion No 1/D11)، مشكلاً مركزاً حيوياً لـ 21 مؤسسة ثقافية وأكاديمية وطنية تستعرض أحدث مبادراتها في مجالات صناعة النشر، والتعليم، وحفظ الهوية والتراث، وفي مقدمتها “منشورات القاسمي” المعنية بإصدارات الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ومجمع اللغة العربية بالشارقة، وجامعة الشارقة، والجامعة الأمريكية في الشارقة مع دار نشرها (AUS Press)، فضلاً عن جمعية الناشرين الإماراتيين، وجمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات، وبيت الحكمة، والجمعية الإماراتية لإدارة حقوق النسخ، ومدينة الشارقة للنشر المنطقة الحرة، ووكالة الشارقة الأدبية، والمجلس الإماراتي لكتب اليافعين، كما تبرز جهود “مجموعة كلمات” و”مؤسسة كلمات” في دعم حقوق الأطفال واليافعين في الوصول إلى المعرفة والمطبوعات، وتقدم منصة “ناشرات” العالمية (PublisHer) رؤى متقدمة لتمكين المرأة في قطاع النشر، وتكتمل هذه المنظومة بمشاركات متكاملة من دائرة الثقافة بالشارقة، ومركز الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية، ومعهد الشارقة للتراث، وهيئة الشارقة للآثار، وهيئة الشارقة للإذاعة والتليفزيون، ترافقها في الساحات الخارجية لوارسو عروض حية لفرقة الشارقة الوطنية تقدم التراث الموسيقي الشعبي لدولة الإمارات. وفي المقابل، يزخر البرنامج العام لـ معرض وارسو الدولي للكتاب باستقطاب نخبة من أبرز صناع السرد والتشويق على الساحة العالمية، تتقدمهم الكاتبة السويدية الشهيرة كاميلا جريب (Camilla Grebe) التي تطرح روايتها الجنائية الأحدث “الظلام” الصادرة عن دار صونيا دراغا، والروائي البولندي الحائز على أرفع الجوائز الأدبية راديك راك (Radek Rak) متحدثاً عن عوالمه التي تمزج التاريخ بالفانتازيا، والكاتب مارسيل موس (Marcel Moss) الذي يناقش القضايا الاجتماعية المعاصرة في رواياته، والروائي ميخاو زغاييفسكي (Michał Zgajewski) مؤلف “حارس البحيرة”، بالإضافة إلى الكاتبة الأمريكية جانيت مكوردي (Jennette McCurdy) التي تعرض روايتها الجديدة “والدو” الصادرة عن دار بروشينسكي لتشريح مشاعر العزلة والبحث عن الروابط الإنسانية، وتتكامل هذه الفعاليات الثقافية الدولية مع حلقات نقاشية رفيعة الطراز مثل ندوة “ثمن العدالة: المعضلات الأخلاقية في القانون والدراما” بمشاركة كاتارينا غوودا وماريك ستيلار وإيغور بريديجانت، وجلسة “الجحيم قاب قوسين أو أدنى” مع بشميسواف بيوتروفسكي وميخاو شميلاك وكريستيان ستولارج، فضلاً عن ورش عمل تفاعلية موجهة للأطفال مثل “كيف تعلم طفلك أن يقول لا” المستوحاة من كتاب باربارا كوينتا ورسوم مارسين روسا وإدارة الأخصائية إيفا ماواخوفسكا، وفعاليات “العبّارة الأدبية أوسلو-وارسو” التي تجمع الكاتبتين لين سترومسبورغ وبيغونيا غوميز أورزايز للحديث عن قضايا الأمومة في الأدب المعاصر، بجانب مناقشات القراءة الوطنية بحضور كبار خبراء معاهد الكتاب والمكتبات الوطنية مثل كاتارينا هومينيوك ومارتي واغارد وجوانا بيكارسكا وكاتارينا فاسيتينسكا، وحفلات توقيع ومراجعات نقدية لإصدارات كاشيا ميناسوفيتش وأرتور غيمبكا والكاتبة اللاتفية لويزا باستور وآدام روبينسكي وكاشيا كازيميروفسكا، وتتوج الفعاليات المهنية بإعلان جوائز مسابقة “أكاديميا 2026” المخصصة لأفضل الكتب الأكاديمية والبحثية، وجوائز PTWK لأجمل الكتب البولندية، بإشراف ياتسيك أوريل وكاتارينا ليغافيتس وإيزابيل ياشينسكا وزبيغنيو تشيرفينسكي وبافاو تيموفيجوك ودومينيكا تشابسكا ريبيتو وأغنيشكا كارب شيمانسكا، وسط تنسيق دقيق لنظام الحجز وقسائم التواقيع المخصصة للمؤلفين الشباب في مهرجان “يانا” (YANA Festival)، لتقدم هذه التظاهرة الأدبية الكبرى نموذجاً راسخاً يؤكد مرونة المطبوع الورقي وقدرته المستمرة على قيادة حركة النشر وحفظ السرديات المعرفية وبناء منصات مستدامة للتبادل الإنساني المشترك.


