لندن تحتفي بذاكرة الورق.. انطلاق النسخة الأكبر من معرض Bloomsbury Book Fair في فندق رويال ناشيونال
بلاك كات 24 : المملكة المتحدة _في صباح يوم الأحد الموافق الثامن عشر من يناير لعام 2026، وتحديداً عندما تشير عقارب الساعة إلى التاسعة والنصف صباحاً، تتحول أنظار النخبة المثقفة وعشاق التاريخ في أوروبا والعالم نحو العاصمة البريطانية لندن، التي تستعد لتدشين موسمها الثقافي الجديد بانطلاق أولى فعاليات معرض Bloomsbury Book Fair لهذا العام، وهو الحدث الذي تجاوز كونه مجرد سوق لبيع الكتب ليصبح ظاهرة حضارية وإنسانية، ورئة تتنفس من خلالها ذاكرة العالم المطبوعة بعيداً عن صخب العالم الرقمي المتسارع.

ويأتي هذا المعرض بتنظيم احترافي ودقيق من مؤسسة Etc Fairs العريقة التي رسخت مكانتها كحارس أمين للتراث الورقي، حيث نجحت في تحويل هذا التجمع الشهري إلى قبلة يؤمها الباحثون عن الحقيقة والجمال بين دفتي كتاب. وتقام هذه النسخة الاستثنائية في موقع جديد ومؤقت داخل أروقة فندق Royal National Hotel الواقع في منطقة Bedford Way، وذلك نظراً لأعمال التجديد الكبرى التي يشهدها المقر التقليدي في فندق “هوليداي إن”، إلا أن هذا الانتقال الجغرافي البسيط لم يزد الحدث إلا ارتباطاً بجذوره، إذ يظل معرض Bloomsbury Book Fair وفياً لروح حي “بلومزبري” (Bloomsbury) العريق، تلك المنطقة التي تعتبر القلب النابض للندن الثقافية، والتي اشتهرت تاريخياً باحتضانها لمجموعة “بلومزبري” (The Bloomsbury Group) الأدبية والفنية، وكانت ملاذاً لجماعة “ما قبل الرافائيلية” (Pre-Raphaelite Brotherhood)، فضلاً عن كونها الحاضنة الأم للمتحف البريطاني (British Museum) الذي كان يضم قاعة القراءة الشهيرة للمكتبة البريطانية، ناهيك عن المؤسسات الأكاديمية الشامخة التي تحيط بمكان المعرض مثل كلية لندن الجامعية (UCL) وجامعة “سواس” (SOAS) وكنيسة القديس جورج التي صممها المعماري “نيكولاس هوكسمور”، مما يجعل زيارة المعرض رحلة في عمق التاريخ الإنجليزي وليست مجرد جولة تسوق عابرة.
كنوز الورق وأسرار العارضين
ويتميز معرض Bloomsbury Book Fair بكونه المعرض الشهري الأكبر والأكثر تنوعاً للكتاب في المملكة المتحدة، حيث يضم بانتظام أكثر من 40 طاولة عرض يقف خلفها نخبة من أمهر الخبراء وتجار النوادر الذين لا يبيعون الورق فحسب، بل يبيعون قصصاً وحكايات رافقت تلك المخطوطات عبر الزمن، وتشير القوائم الرسمية للعارضين في هذه الدورة الافتتاحية لعام 2026 إلى مشاركة أسماء مرموقة في عالم الكتب النادرة مثل Shapero Rare Books و John Robertson و Olivier Joly، بالإضافة إلى متخصصين في مجالات دقيقة مثل Syston Bindery لفنون تجليد الكتب وترميمها، و David Tobin و James Eaton، مما يضمن تنوعاً مذهلاً يلبي شغف كل زائر مهما كانت اهتماماته.

ولا تقتصر المعروضات داخل معرض Bloomsbury Book Fair على الكتب الأثرية (Antiquarian books) التي يعود تاريخها لقرون مضت، أو الكتب المستعملة النادرة التي نفدت طباعتها (Out of print books) وأصبحت عملة نادرة، بل يمتد الشغف ليشمل عالماً ساحراً من “الإفيميرا” (Ephemera) والمخطوطات اليدوية (Manuscripts) التي خطها البشر قبل عصر الآلة، والخرائط الجغرافية القديمة (Maps) التي رسمت حدود العالم في عصور الاكتشافات، وصولاً إلى المطبوعات الفنية (Prints) والبطاقات البريدية (Postcards) التي تحمل رسائل إنسانية من الماضي، وهو ما أكدته إدارة المعرض التي دعت الجمهور للاستمتاع بهذا المزيج الفريد الذي يرضي فضول الجامعين المخضرمين (Collectors) والزوار العاديين على حد سواء. إن الأجواء داخل قاعات فندق Royal National Hotel يوم الأحد لن تكون تقليدية، بل ستكون مفعمة بعبق الورق القديم وحوارات المثقفين، حيث يلتقي الزوار بأسماء مثل Peter Hill و Mike Kemp و Steve Morris وجهاً لوجه، في تفاعل إنساني مباشر يفتقده العالم الحديث، مما يجعل من معرض Bloomsbury Book Fair أكثر من مجرد حدث تجاري؛ إنه طقس شهري مقدس لدى اللندنيين وزوار المدينة، يعيد الاعتبار للكلمة المطبوعة ويؤكد أن الكتاب القديم ما زال يحتفظ ببريقه وسحره الخاص. ومع استمرار الفعاليات حتى الساعة الثالثة عصراً، تظل الدعوة مفتوحة لكل من يبحث عن قطعة من التاريخ يقتنيها، أو يرغب في استنشاق هواء الثقافة في الحي الذي لطالما كان منارة للفكر والإبداع في أوروبا، لتكون بداية عام 2026 بداية ثقافية بامتياز تليق بعاصمة الضباب وتاريخها العريق، وتؤكد أن الورق سيظل شاهداً حياً على حضارة الإنسان مهما تطورت الوسائل التقنية، وذلك بفضل جهود تنظيمية دؤوبة تجعل من كل نسخة حدثاً لا ينسى في ذاكرة الحضور.


