Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » مهرجان أبيسا (Abissa Festival): رحلة إلى قلب كوت ديفوار النابض بالأسرار والألوان

مهرجان أبيسا (Abissa Festival): رحلة إلى قلب كوت ديفوار النابض بالأسرار والألوان

مهرجان أبيسا: الملك يجلس على عرشه مرتدياً زيه التقليدي الملون، ومحاطاً بأفراد الحاشية الملكية ومجموعة من الفتيات الصغيرات المزينات بالحُلي الذهبية.

بلاك كات 24 : كوت ديفوار _ هناك أماكن على هذه الأرض لا تزال تحتفظ بنبضها الأول، حيث للأقنعة أرواح وللرقصات حكايات تُروى منذ فجر التاريخ. إنها دعوة للسفر ليس فقط عبر الجغرافيا، بل عبر الزمن والروح، لاستكشاف أرض كوت ديفوار الساحرة، في رحلة إنسانية وثقافية تبلغ ذروتها في احتفال مهيب هو مهرجان أبيسا.

قرد أفريقي ذو وجه داكن وفرو أبيض على صدره يجلس على غصن شجرة وسط أوراق خضراء كثيفة في إحدى غابات كوت ديفوار.

‎”في الفترة من 23 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2025، تفتح كوت ديفوار أبوابها لرحلة لا تشبه غيرها، دعوة لاستكشاف قلبها النابض بالحياة حيث للأقنعة أرواح وللرقصات حكايات تُروى.

سيدة من شعب السينوفو تقوم بإعداد زبدة الشيا الذهبية بالطريقة التقليدية داخل وعاء كبير، وهو أحد كنوز الحرف اليدوية في شمال كوت ديفوار.

تبدأ الحكاية قبل الوصول إلى وجهتها الأخيرة. إنها رحلة تمتد لأحد عشر يومًا، تغوص في شرايين كوت ديفوار لتكشف عن نسيجها الثقافي الغني. تأخذنا الخطى شمالاً إلى محيط “كوروجو”، معقل شعب “السينوفو”، حيث لا تُصنع الفنون، بل تُبعث فيها الحياة. في حي “كوكو”، نرى بأعيننا كيف تُنفخ الروح في قطع الخشب الصامتة لتتحول إلى أقنعة ناطقة بالحكمة، ونشاهد أيادي النساء وهي تستخرج زبدة الشيا، كأنها تعتصر ذهب الأرض.

وفي نهاية اليوم، تتجسد القوة والروحانية في رقصة “البولوي”، أو رقصة النمر، وهي طقس عميق يربط الإنسان بالطبيعة والتقاليد، وكأنه تحضير لفرحة مهرجان أبيسا.

لقطة مقربة لقناع أفريقي أسود ذي منقار طويل، مزين بالريش الملون والأصداف البحرية، يمثل أحد التقاليد الروحانية العريقة في كوت ديفوار.

كلما تعمقنا جنوبًا، ازداد المشهد سحرًا وغموضًا. في قرى “الياكوبا”، تخرج الأقنعة من الغابة المقدسة، كل قناع يحمل قصة، وكل حركة تروي أسطورة. يظهر قناع “جوي جبلين” الأسطوري واقفًا على ركائز خشبية، في حركات بهلوانية تتحدى قوانين الطبيعة، مؤكدًا أن الإيمان والتقاليد أقوى من أي حدود. نعبر جسور الليانا المعلقة، التي يهمس أهل القرى أن أرواح الغابة هي من نسجتها، فنمشي فوقها بخطوات يمتزج فيها الرهبة بالانبهار، ونشعر بأننا جزء من عالم لم تمسسه الحداثة بعد، عالم يشبه الفرح بالمهرجان.

منظر بانورامي لـ "بازيليك سيدة السلام" في ياموسوكرو، أكبر كنيسة في العالم، تظهر قبتها البيضاء الضخمة وخلفها بحيرة مليئة بزهور اللوتس.

وتتجلى هذه الرحلة كحوارٍ بديع بين الأصالة والمعاصرة؛ ففي ياموسوكرو، نقف أمام عظمة “بازيليك سيدة السلام”، الصرح الذي يعانق السماء بتصميمه المهيب، ثم ننتقل من هذا السكون الروحاني إلى إيقاع الحياة الصاخب في أبيدجان، المدينة التي لا تنام، حيث ترتسم على صفحة بحيرة “إيبريه” صورة لمستقبل واعد. إن هذا التناقض المذهل هو جوهر قصة أمة تفخر بجذورها الضاربة في عمق التاريخ، وتمضي بثقة نحو المستقبل، تماماً كما يفعل مهرجان “أبيسا” كل عام حين يجدد العهد مع الماضي ليبارك خطوات الحاضر.

قناع "جوي جبلين" لشعب الياكوبا، وهو يؤدي رقصة بهلوانية على ركائز خشبية طويلة وسط قرية تقليدية ذات أكواخ من القش.

وأخيرًا، نصل إلى درة التاج، إلى مدينة جراند بسام، هذه الجوهرة التاريخية التي تحتضنها شواطئ المحيط. هنا، تستيقظ المدينة على وقع الطبول وتتزين بألوان الاحتفال استعدادًا لمهرجان “أبيسا”. هذا ليس مجرد كرنفال، بل هو قلب المجتمع النابض، وطقس سنوي للتطهير والمصالحة. في شوارعها العتيقة، يجتمع شعب “نزيمة كوتوكو” ليغسلوا ضغائن العام الماضي، ويستقبلوا عامًا جديدًا بقلوب متآلفة وأرواح متجددة. الأغاني والرقصات ليست للفرح فقط، بل هي صلاة جماعية من أجل السلام والوحدة.

الملك تانو أمون ملك شعب نزيمة، يرتدي زيه الملكي الزاهي والتاج الذهبي، جالساً على عرشه خلال احتفالات مهرجان أبيسا.

وتبلغ الاحتفالات ذروتها في مشهد مهيب تتوقف له الأنفاس: “خروج الملك”. يُحمل الملك “تانو أمون” على محفة مزينة، يمر بين شعبه الذي ينتظره بشغف، يلقي عليهم التحية، ويوزع البركات والهدايا. في هذه اللحظة، يتجسد التاريخ، وتتلاقى أرواح الأجداد مع نبض الحاضر، في صورة إنسانية عميقة تعبر عن الانتماء والفخر والارتباط الأبدي بالأرض، ويأتي كل هذا في إطار مهرجان أبيسا الساحر.

جسر الليانا الأسطوري في كوت ديفوار، منسوج بالكامل من النباتات المتسلقة، ويمر فوقه سكان محليون وسط غابة استوائية كثيفة.

الرحيل عن كوت ديفوار بعد هذه التجربة ليس عودة، بل هو بداية. تعود محملاً بأكثر من مجرد صور وهدايا تذكارية؛ تعود بذاكرة ممتلئة بأصوات الطبول التي لا تزال تدق في أعماقك، وبألوان الأقنعة التي رسمت على روحك، وبدفء ابتسامات أناس يثبتون للعالم أن أعظم الكنوز هي تلك التي لا تُشترى بالمال، بل تُعاش بالقلب. إنها تجربة تذكرنا بأن الإنسانية، في جوهرها، هي مجموعة من القصص الرائعة التي تنتظر من يكتشفها، تمامًا كما يُكتشف في مهرجان أبيسا كل عام.