بلاك كات 24 : خيخون ، إسبانيا _ هنا، من قلب الحدث، تبدأ رحلة “بلاك كات 24” تغطيتها الخاصة لواحد من أهم الأحداث السينمائية الأوروبية. ابتداءً من اليوم، 14 نوفمبر، وحتى 22 نوفمبر 2025، تتحول مدينة خيخون (Gijón/Xixón) الإسبانية الساحلية إلى عاصمة عالمية للفن السابع، معلنةً انطلاق الدورة الثالثة والستين من مهرجان خيخون السينمائي الدولي (FICX). نحن هنا لنغوص في عمق هذا الحدث، ونرصد نبض “السينما المستقلة الأصيلة” التي يرفعها المهرجان شعاراً له هذا العام، وننقل لكم يومياً تفاصيل هذا العرس السينمائي.

لا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون التوقف عند تاريخه العريق. تأسس مهرجان خيخون السينمائي الدولي منذ أكثر من ستة عقود، ليصبح حصناً منيعاً لسينما المؤلف والإنتاجات الجريئة. هذا الالتزام الراسخ بالجودة والابتكار لم يذهب سدىً، فقد نال المهرجان اعترافاً دولياً يضعه ضمن فئة المهرجانات الكبرى. إنه مُصنف رسمياً من قبل الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF) كـ “مهرجان تنافسي متخصص” (Competitive Specialised Festival)، وهو تصنيف مرموق يضعه جنباً إلى جنب مع أهم الفعاليات السينمائية العالمية كمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ويؤهل أفلامه للمنافسة على جوائز الأوسكار وغويا.

مدينة خيخون ليست مجرد مضيف، بل هي شريك أصيل في الحكاية. وكما وصفتها عمدة المدينة، كارمن موريون، في كلمتها قائلة : “الارتباط عميق بين هذه المدينة والسينما”. وأكدت أن شوارع وأحياء خيخون كانت ولا تزال “مسرحاً للعديد من الإنتاجات عبر التاريخ”، مما نسج “إرثاً سمعياً بصرياً يشكل جزءاً من هويتنا الثقافية: المنفتحة، التعددية، والمتنوعة”. وابتداءً من اليوم، ستتدفق العروض في شرايين المدينة، وتحديداً في مسرح خوفيانوس (Teatro Jovellanos)، ومدرسة التجارة (Escuela de Comercio)، ومركز الثقافة المعهد القديم (Centro de Cultura Antiguo Instituto)، وصولاً إلى المراكز البلدية (Centros Municipales Integrados)، ولا بورال (La Laboral)، وقاعات Ocine و Yelmo، محولة المدينة بأكملها إلى قاعة عرض مفتوحة تحتفي بالإبداع.

الليلة، تتجه كل الأنظار إلى مسرح خوفيانوس (Teatro Jovellanos) الذي يحتضن حفل الافتتاح الرسمي. سيقود الأمسية الوجه الأيقوني أرتورو فالس (Arturo Valls)، وهو اختيار مثالي يجسد روح المهرجان، فهو فنان يجمع ببراعة بين الكوميديا التي اشتهر بها في ‘Camera Café’ والاحترافية، بالإضافة لكونه منتجاً شغوفاً بالسينما (صاحب ‘Pólvora Films’ الحائزة على جويا). بعد المراسم، ينطلق مهرجان خيخون السينمائي الدولي سينمائياً مع العرض الإسباني الأول للفيلم المنتظر ‘Blue Moon’، للمخرج الأمريكي الكبير ريتشارد لينكليتر، العقل المدبر وراء ثلاثية ‘Before’ و ‘Boyhood’. الفيلم هو دراما سيرة ذاتية عميقة، تدور أحداثها في ليلة واحدة، وتغوص في الأزمة الفنية والشخصية للشاعر الغنائي الأسطوري لورينز هارت (إيثان هوك) وعلاقته بشريكه ريتشارد رودجرز (أندرو سكوت)، الذي نال عن هذا الدور جائزة الدب الفضي في برلين 2025. كما سيكون الافتتاح منصة لتكريم الأساطير، حيث ستتسلم المخرجة اليابانية المرموقة نعومي كاواسي ‘جائزة خيخون بلاتو’ الخاصة، وستُمنح ‘جائزة إيساك ديل ريفيرو’ للفنانة ماسييل (Massiel)، احتفاءً بمسيرة فنية فريدة ومتعددة الأوجه عكست تاريخ إسبانيا الثقافي.

تأتي الدورة 63 من مهرجان خيخون السينمائي الدولي هذا العام بحصاد استثنائي قوامه 197 فيلماً. هذا الرقم يعكس رؤية واضحة ونوعية، حيث يضم البرنامج 110 أفلام تحمل توقيع مخرجات نساء، في تأكيد قوي على دعم الأصوات النسائية، إلى جانب 75 فيلماً إسبانياً و39 إنتاجاً من إقليم أستورياس. الافتتاح هذا المساء سيكون مع العرض الإسباني الأول لفيلم “Blue Moon” للمخرج الكبير ريتشارد لينكليتر، الحائز على الدب الفضي في برلين، بينما يُختتم المهرجان بفيلم “El gran arco” للمخرج ستيفان ديموستييه. وتضم الخريطة أقساماً ثرية، أبرزها “القسم الرسمي” (Sección Oficial) الذي ينقسم بدوره إلى “Albar” (للمخرجين الكبار والأعمال الأبرز)، و”Retueyos” (التي تعني “البراعم” باللغة الأستورية، وهي مخصصة للمواهب الصاعدة والأصوات الجديدة)، و”FICX Premiere” (للعروض الأولى الحصرية). إلى جانب 29 فيلماً قصيراً في المنافسة، وأقسام متخصصة ترصد نبض المستقبل مثل “Enfants Terribles” (للسينما الموجهة للشباب واليافعين)، و”Generación Mutante” (لسينما النوع التي تتحدى القوالب)، و”Esbilla” (للمختارات المميزة)، و”Crossroads” (بالشراكة المثمرة مع مهرجان سان سيباستيان).

ولن تقتصر احتفالات التكريم على ليلة الافتتاح، بل يمتد مهرجان خيخون السينمائي الدولي ليحتفي بقامات أخرى ملهمة طوال أيامه. حيث سيُمنح “جائزة الشرف” (Premio de Honor) للمخرج الأرجنتيني الرائد ليساندرو ألونسو (Lisandro Alonso)، الذي سيعرض المهرجان فيلمه الأول “La libertad” بحضوره في لقاء تاريخي يوم 16 نوفمبر. كما تُكرم الممثلة القديرة فيكي بينيا (Vicky Peña) بـ “جائزة كومادري دي سيني” (Premio Comadre de Cine)، وتُمنح المخرجة بيلار بالوميرو (Pilar Palomero) “جائزة ريتويوس الخاصة” (Premio Especial Retueyos)، وستقدم كلتاهما لقاءات مفتوحة وماستر كلاس للجمهور يوم 22 نوفمبر. وفي لمسة وفاء إنسانية مؤثرة تليق بروح المهرجان، يُخصص قسم بعنوان “LES DE FRAN”، وهو تكريم خاص لروح الزميل الراحل فران جايو (Fran Gayo 1970-2025)، حيث تُعرض أفلام ساعد هو في اختيارها لهذه الدورة، مصحوبة بتعليقاته الخاصة عليها، وكأن صوته لا يزال يتردد في قاعات العرض.
حيث يصبح الحوار ممكناً

إن مهرجان خيخون السينمائي الدولي، عبر تاريخه الممتد، ليس مجرد منصة لعرض الأفلام، بل هو، كما وصفته العمدة، “مساحة تسودها الحرية والتسامح” وحوار فكري لا ينقطع. إنه دعوة مفتوحة لعشاق الفن للغوص في قصص تمتد من الكلاسيكية إلى الطليعية، مع الحفاظ على الجودة كعلامة مميزة. ومن هنا، يواصل موقع “بلاك كات 24” متابعته وتغطيته اليومية، لينقل لكم نبض هذا العرس السينمائي الملهم، حيث السينما هي التي يجب أن “تلمسنا، تلهمنا، وتحرك مشاعرنا”.


