بلاك كات 24 : لايبزيغ، ألمانيا
في قلب مدينة لايبزيغ الألمانية، حيث يمتزج التاريخ بالإبداع، يتألق مهرجان DOK Leipzig كمنارة ثقافية تجمع عشاق السينما الوثائقية والرسوم المتحركة منذ انطلاقته عام 1955. في دورته الثامنة والستين، المقررة من 27 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2025، يواصل المهرجان دوره كمنصة عالمية تستقطب أكثر من 48,000 زائر و1,900 محترف من أكثر من 80 دولة. يقدم المهرجان مزيجًا فريدًا من حوالي 200 فيلم وثائقي ورسوم متحركة، إلى جانب تجارب الواقع الممتد (XR)، التي تعكس قضايا العصر وتحتفي بالتنوع، الكرامة الإنسانية، الشمولية، والسلام. يعكس شعاره السابق “أفلام العالم من أجل السلام العالمي”، المستوحى من رمز الحمامة الذي صممه بابلو بيكاسو عام 1947، التزامه بتعزيز التفاهم المتبادل والتضامن بين الثقافات.

تأخذكم Black Cat 24 في رحلة ساحرة عبر فعاليات DOK Leipzig 2025، مع التركيز على برنامج Retrospective المثير بعنوان “Un-American Activities: Films from the ‘Other America’ at the Leipzig Documentary Film Week from 1962 to 1989″، إلى جانب فعاليات Matinee Saxon State Archive وDEFA Matinee، التي تحتفي بتاريخ لايبزيغ الثقافي وتكرم ذكرى العالمة السينمائية كريستيان موكنبرغر. رحلة تأملية تجمع بين الفن، التاريخ، والإنسانية في سرد مؤثر يأسر القلب والعقل.

Retrospective 2025: “Un-American Activities” – صوت أمريكا الناقد
يفتح برنامج Retrospective في DOK Leipzig 2025 نافذة على فصل غير مألوف من تاريخ المهرجان خلال حقبة الجمهورية الديمقراطية الألمانية (GDR). بعنوان “Un-American Activities: Films from the ‘Other America’ at the Leipzig Documentary Film Week from 1962 to 1989″، يسلط البرنامج الضوء على أفلام أمريكية نقدية عُرضت في لايبزيغ خلال تلك الفترة، والتي كانت تُعتبر صادرة من قلب “العدو الطبقي”. هذه الأفلام، التي تناولت قضايا مثل العنصرية، عدم المساواة الاجتماعية، حرب فيتنام، والنزعة المعادية للشيوعية في عصر مكارثي، قدمت صورة مغايرة للولايات المتحدة، بعيدة عن الرواية الرسمية. كما رحبت لايبزيغ بأفلام وثّقت النزاعات العمالية، الإضرابات، والروايات البديلة التي أُسكتت من قبل أصحاب السلطة.

لم تكن هذه الأفلام مجرد وثائق سينمائية، بل مرايا عاكسة لواقع الجمهورية الديمقراطية الألمانية ذاتها. يوضح القيّمان على البرنامج، توبياس هيرينغ وتيلمان شوماخر: “كانت العديد من الأفلام بمثابة تدخلات نقدية ضد النظرة الذاتية المتعالية التي سادت في لايبزيغ آنذاك. عندما كانت تندد بغطرسة السلطة أو تسلط الضوء على انتفاضات السجون أو تذكّر بآمال التقدم غير المحققة، كانت تلمس قضايا حساسة للحزب الاشتراكي الألماني (SED). مثل هذه التأثيرات المتداخلة كانت على الأرجح مرغوبة ومقصودة من بعض صانعي القرار في لايبزيغ. لم تكن الأمور واضحة المعالم على أي جانب أو في أي وقت.” هذا التفاعل جعل الأفلام أدوات حوار تحمل قوة التغيير، تثير تساؤلات عميقة حول السلطة، العدالة، والهوية.

تحت قيادة المدير الفني Christoph Terhechte، الذي يُعدّ رمزًا للرؤية الفنية والابتكار في عالم المهرجانات السينمائية، يبرز هذا البرنامج كشهادة على قدرته على ربط الماضي بالحاضر. يقول Christoph Terhechte: “في ظل التفكيك غير المسبوق للقيم الديمقراطية الليبرالية خلال إدارة دونالد ترامب، تعود العديد من قضايا تلك الفترة لتصبح مخيفة الصلة اليوم.” هذا التصريح يعكس رؤيته العميقة في اختيار برامج تتجاوز حدود الزمن، لتُحيي نقاشات حول قضايا معاصرة. بفضل وفرة الاكتشافات التي توصل إليها القيّمون، قرر Christoph Terhechte وفريق المهرجان توسيع برنامج “Un-American Activities” خارج الأسبوع التقليدي للمهرجان، حيث تُعرض البرامج الإضافية في Luru Kino، السينما الفنية في غرب لايبزيغ، المعروفة ببرامجها الأرشيفية المتميزة. يبدأ البرنامج من 24 إلى 26 أكتوبر بعروض لخمسة أفلام من إخراج إميل دي أنطونيو، المخرج الأمريكي الأسطوري الذي تحدى واقع الحرب الباردة بأفلامه الجريئة، والتي نادرًا ما تُعرض اليوم. وعلى الرغم من تصوّر دي أنطونيو كثيرًا كمناضل منفرد، يقدم البرنامج بعد انتهاء أسبوع المهرجان تعريفًا بمجموعتين سينمائيتين رائدتين، هما Kartemquin Films من شيكاغو وNewsreel Collective، في عروض تُقام يومي 7 و8 نوفمبر.
خلال أسبوع المهرجان، يستضيف CineStar 5 ستة برامج تعكس تنوع الموضوعات والأساليب السينمائية، من قصص التمييز ضد الأقليات، مثل العمال الزراعيين المكسيكيين والسكان الأصليين، إلى حركات التحرر النسائية ونقد الرأسمالية. يحضر المهرجان مخرجون بارزون مثل ديبورا شافر، باربرا كوبل، آلان سيغل، غوردون كوين، وكريستين تشوي لمناقشة أفلامهم، بينما ينضم روبرت كوهين وجيم كلاين عبر الإنترنت. كما تستضيف Luru Kino نقاشًا حول حرب فيتنام كلحظة تحول في السياسة والسينما العالمية، بمشاركة ضيوف أمريكيين، مما يعزز من أهمية هذا البرنامج في إعادة قراءة التاريخ واستلهام دروسه للحاضر.

Matinee Saxon State Archive: لايبزيغ مدينة الكتب
يحتفي برنامج Matinee Saxon State Archive بعنوان “More Than a Story: The Book City Leipzig Portrays Itself” بتاريخ لايبزيغ كـ”مدينة الكتب” في عام 2025. من خلال مجموعة الأرشيف السكسوني، يقدم البرنامج أفلامًا أرشيفية نادرة، بما في ذلك لقطات هواة عن معرض الكتاب الفني الدولي (IBA)، وأفلام ترويجية من رابطة الناشرين والباعة تدعو للقراءة، إلى جانب أفلام تكشف عن صناعة الطباعة في لايبزيغ، مثل مصانع آلات الطي والتدبيس. هذه الأفلام تقدم لمحة تاريخية غنية عن “آليات” الإنتاج والتوزيع الثقافي، مما يعزز مكانة لايبزيغ كمركز ثقافي عالمي. يُعرض هذا البرنامج في Passage Kinos Wintergarten يوم 2 نوفمبر، مقدمًا تجربة بصرية تأخذ الجمهور في رحلة عبر تراث لايبزيغ الثقافي، من خلال عدسة السينما الأرشيفية التي تحيي ذكريات مدينة الكتب النابضة بالحياة.

Foto Credit: F Günter Linke; Filmmuseum Potsdam
DEFA Matinee: تكريم كريستيان موكنبرغر
يكرم برنامج DEFA Matinee، بعنوان “For Christiane Mückenberger, the Undaunted One”، ذكرى العالمة السينمائية كريستيان موكنبرغر، التي تولت قيادة DOK Leipzig في عام 1990، وساهمت بشجاعة في استمرار المهرجان خلال الفترة المضطربة بعد إعادة توحيد ألمانيا. في الجمهورية الديمقراطية الألمانية، واجهت موكنبرغر حظرًا مهنيًا لمدة عشر سنوات بسبب آرائها الجريئة، لكنها ظلت صامدة، مخلّفة إرثًا يعكس الشجاعة والتفاني في خدمة الفن. يعرض البرنامج فيلم “Forgive Me for Being Human”، الذي ساهمت موكنبرغر في إنتاجه، وهو بورتريه عائلي رائع عن الكاتب والطبيب المنخرط سياسيًا فريدريش وولف، يروي من منظور أبنائه، بما في ذلك ماركوس وولف، رئيس المخابرات الخارجية في الجمهورية الديمقراطية الألمانية، وكونراد وولف، أحد أبرز مخرجي الأفلام الروائية في DEFA. يُعرض هذا البرنامج في Passage Kinos Wintergarten يوم 1 نوفمبر، تكريمًا لإرث موكنبرغر ومساهمتها اللافتة في السينما.

DOK Leipzig: منصة للحوار والإبداع تحت قيادة Christoph Terhechte
تحت قيادة المدير الفني Christoph Terhechte، يواصل DOK Leipzig تعزيز مكانته كمركز عالمي للسينما الوثائقية والمتحركة. بفضل خبرته الواسعة التي تمتد لأكثر من 25 عامًا في عالم المهرجانات السينمائية، حيث قاد المنتدى الدولي للسينما الجديدة في برليناله من 2001 إلى 2018، وأدار مهرجان مراكش الدولي للأفلام قبل انضمامه إلى DOK Leipzig في يناير 2020، نجح Christoph Terhechte في إعادة هيكلة المهرجان وتعزيز دوره كمنصة للإبداع.
Christoph Terhechte هو صانع أحلام سينمائية، ينسج من خلال رؤيته جسورًا بين الماضي والحاضر، مُحييًا أصواتًا فنية جريئة تحدت الصمت والقمع. قيادته لـ DOK Leipzig لم تكن مجرد إدارة مهرجان، بل كانت رحلة إبداعية ألهمت الآلاف لاستكشاف قوة السينما في تغيير وجهات النظر. إرثه سيظل محفورًا في ذاكرة لايبزيغ، كمنارة تضيء دروب الفن والإنسانية.

يتميز المهرجان بتنوع برامجه، مثل DOK Industry، الذي يربط بين صناع الأفلام والمنتجين، وDOK Neuland، الذي يقدم تجارب مبتكرة في الواقع الممتد. هذه البرامج تجعل المهرجان نقطة التقاء للإبداع والابتكار، حيث يتبادل الفنانون والجمهور الأفكار ويستلهمون وجهات نظر جديدة. يهدف المهرجان إلى خلق حوار مفتوح يشجع الجمهور على تبني رؤى جديدة وحل النزاعات، مما يجعله منصة لا غنى عنها في عالم السينما الوثائقية. يحظى المهرجان بدعم مؤسسات مثل مؤسسة دراسة الديكتاتورية الشيوعية في ألمانيا الشرقية، التي تمول برنامج الـ Retrospective، إلى جانب أرشيف ولاية سكسونيا ومؤسسة DEFA، اللذين يدعمان فعاليات Matinee. هذا الدعم يعكس التزام المهرجان بالحفاظ على التراث الثقافي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بطريقة ملهمة ومبتكرة.
جدول فعاليات DOK Leipzig 2025
- Retrospective: Emile de Antonio, On a Permanent Mission
24–26 أكتوبر، Luru Kino
- Retrospective: Front Lines
28 أكتوبر – 2 نوفمبر، CineStar 5
- Retrospective: Collective Action
7–8 نوفمبر، Luru Kino
- Matinee Saxon State Archive
2 نوفمبر، Passage Kinos Wintergarten
- DEFA Matinee
1 نوفمبر، Passage Kinos Wintergarten
الجدول الكامل للمهرجان سيُعلن في 9 أكتوبر 2025، مع بدء بيع التذاكر في اليوم ذاته.

يظل DOK Leipzig منارة ثقافية تجمع بين الفن والتاريخ والإنسانية. من خلال برنامج Retrospective الذي يعيد قراءة تاريخ السينما الأمريكية النقدية، وفعاليات Matinee التي تحتفي بتراث لايبزيغ وروادها، يقدم المهرجان تجربة تأملية عميقة. سواء كنت عاشقًا للسينما أو مهتمًا بالتاريخ والثقافة، فإن DOK Leipzig 2025 يدعوك لرحلة ملهمة تتجاوز حدود الشاشة لتصل إلى أعماق الروح الإنسانية.


