من “كافكا” إلى قضايا الأرض.. فعاليات مهرجان Trieste Film Festival تضيء شاشات إيطاليا بروائع سينما وسط وشرق أوروبا
بلاك كات 24 : إيطاليا _ في أجواء شتوية مفعمة بعبق التاريخ والأسئلة الإنسانية الكبرى، وتحديداً منذ يوم أمس الموافق السادس عشر من يناير لعام 2026، تحولت مدينة ترييستي الإيطالية إلى “منارة سينمائية ” للسينما الأوروبية الجادة، معلنة انطلاق الدورة السابعة والثلاثين من مهرجان Trieste Film Festival، ذلك الحدث السينمائي الاستثنائي الذي تنظمه جمعية Alpe Adria Cinema العريقة، والتي تأسست في الأصل لمد جسور التواصل بين الشعوب وكسر الحواجز الثقافية، وتستمر في رسالتها السامية اليوم تحت إدارة فنية واعية بقيادة Nicoletta Romeo، لتجعل من المهرجان نافذة حقيقية تطل على أوجاع وآمال وهواجس مجتمعات وسط وشرق أوروبا.

وقد انطلقت فعاليات المهرجان، التي تتوزع هذا العام بين صالات Politeama Rossetti العريقة ومسرح Teatro Miela وسينما Cinema Ambasciatori، بضربة بداية قوية خطفت الأنظار مع العرض الخاص لفيلم Franz للمخرجة البولندية الكبيرة Agnieszka Holland (إنتاج مشترك بين جمهورية التشيك، ألمانيا، وبولندا)، والذي يقدم معالجة بصرية فسيفسائية لحياة الكاتب الأيقوني “فرانتس كافكا”، مرشحاً لتمثيل بولندا في سباق الأوسكار، مما أعطى إشارة واضحة لجمهور مهرجان Trieste Film Festival بأن هذه الدورة تبحث في الجذور والهوية والتاريخ. وتزخر مسابقة الأفلام الروائية الطويلة (Feature Film Competition) بأعمال تناقش قضايا اجتماعية بجرأة فنية، حيث يعرض المهرجان فيلم Sorella di clausura للمخرجة Ivana Mladenović (إنتاج رومانيا، صربيا، وإيطاليا)، الفائز بجائزة أفضل إخراج في مهرجان سراييفو، والذي يروي قصة “ستيلا” التي تحاول تغيير حياتها ومصيرها بمساعدة امرأة أخرى تعدها بالنجاة من الفقر. كما يبرز بقوة الفيلم البولندي Brat (Brother) للمخرج Maciej Sobieszczański، الذي يغوص في دراما عائلية مؤثرة حول مراهق يبلغ من العمر 14 عاماً يجد نفسه فجأة معيلًا لعائلته بعد سجن والده، في سردية مؤلمة عن النضوج المبكر وفقدان البراءة.

وفي السياق ذاته، يقدم المهرجان فيلم Renovacija (Renovation) للمخرجة Gabrielė Urbonaitė، المصور بشريط 16مم الخام، ليرصد تصدعات العلاقات الإنسانية التي تظهر مع ترميم الأماكن، وفيلم Elena’s Shift للمخرج Stefanos Tsivopoulos الذي ينقلنا إلى أثينا ليروي قصة كفاح أم عزباء تعمل في تنظيف المحطات وتتحول إلى رمز للمقاومة ضد فساد العمل. ولم يغفل مهرجان Trieste Film Festival عشاق السينما الوثائقية (Documentary Competition)، حيث يقدم المهرجان وجبة دسمة من الواقعية، أبرزها فيلم Tykha Povin (Silent Flood) للمخرج Dmytro Sukholytkyy-Sobchuk، الذي يرصد حياة مجتمع مسالم في أوكرانيا تقلب الحرب والفيضانات حياته رأساً على عقب، وفيلم Militantropos (إنتاج أوكرانيا، النمسا، وفرنسا) الذي يوثق قصص البقاء والمقاومة اليومية، وفيلم 9-Month Contract للمخرجة Ketevan Vashagashvili الذي يناقش قضايا الفقر والخيارات الصعبة للأمهات في جورجيا. ومن الأقسام التي تميز هذه الدورة بشكل خاص قسم “Wild Roses” (الورود البرية) الذي يسلط الضوء هذا العام على المخرجات من دولة سلوفينيا، عارضاً أفلاماً إنسانية قوية مثل Moja Vesna للمخرجة Sara Kern (سلوفينيا وأستراليا)، وفيلم Cent’anni للمخرجة Maja Doroteja Prelog الذي يوثق رحلة تعافي ملحمية عبر الدراجات بعد المرض. وبدلاً من الاكتفاء بالمسابقات التقليدية، يفتح المهرجان نافذة “خارج الإطار” (Off the Beaten Screens) لعرض أفلام تتناول قضايا الأرض والصراع الطبقي، مثل الفيلم السلوفيني Zemljo Krast (Stealing Land) للمخرج Žiga Virc، الذي يقدم كوميديا سوداء حول صراع الآباء ومستقبل الأبناء. وتتكامل التجربة السينمائية في مهرجان Trieste Film Festival مع العروض الخاصة والماستر كلاس (Masterclasses)، حيث يستضيف المهرجان المخرج الروسي المنفي Kirill Serebrennikov لتقديم فيلمه Das Verschwinden des Josef Mengele الذي يتتبع هروب الطبيب النازي “منغيله” إلى أمريكا الجنوبية، والمخرجة المجرية Ildikó Enyedi التي سيعرض فيلمها Silent Friend في ختام المهرجان يوم 24 يناير، وهو عمل شاعري يربط ثلاث قصص عبر الزمن حول شجرة في حديقة نباتية.

وحتى الأطفال لهم نصيب في قسم (TSFF dei Piccoli) الذي يعرض روائع الرسوم المتحركة الهادفة، ليؤكد المهرجان أنه مساحة للعائلة. إن هذا الحدث، المدعوم بتمويل أوروبي ومحلي، يتجاوز فكرة العروض السينمائية ليصبح منصة للحوار الثقافي عبر الفعاليات الجانبية مثل معرض “Yugo Logo” وجلسات “25 عاماً على لجنة الأفلام”، ليثبت مهرجان Trieste Film Festival أنه القلب النابض للسينما في هذه المنطقة، والمكان الذي تتلاقح فيه الأفكار وتُكتشف فيه المواهب الشابة جنباً إلى جنب مع تكريم الأساتذة، في تظاهرة سينمائية تؤمن بأن الفن هو اللغة الإنسانية المشتركة القادرة على تجاوز الحدود.


