Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » هانا ناتانسون: اقتحام منزلها يدشن حقبة “مكارثية” جديدة ضد الصحافة

هانا ناتانسون: اقتحام منزلها يدشن حقبة “مكارثية” جديدة ضد الصحافة

صورة مركبة تظهر الصحفية هانا ناتانسون على اليمين، وفي المقابل النائبة العامة الأمريكية بام بوندي على اليسار، في إشارة لأزمة اقتحام منزل الصحفية.

من مصادرة ساعة هانا ناتانسون إلى إسكات جيمي كيميل.. كيف تحولت واشنطن إلى دولة بوليسية تلاحق الأقلام؟

بلاك كات 24 : الولايات المتحدة _ في لحظة فارقة ستظل محفورة في ذاكرة التاريخ الصحفي والحقوقي كواحدة من أحلك الفترات التي مرت بها الديمقراطية الأمريكية المزعومة، استيقظ المجتمع الدولي والوسط الإعلامي في صباح يوم الأربعاء الرابع عشر من يناير 2026 على وقع صدمة مدوية، تمثلت في تنفيذ عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لعملية اقتحام أمنية ومداهمة لمنزل الصحفية المرموقة في صحيفة “واشنطن بوست”، هانا ناتانسون (Hannah Natanson)، الكائن في ولاية فيرجينيا، في سابقة خطيرة وتصعيد غير مسبوق يعكس تحولاً جذرياً في تعامل السلطة الأمريكية مع السلطة الرابعة، حيث لم تكن هذه العملية مجرد إجراء روتيني لجمع الأدلة، بل كانت استعراضاً للقوة يهدف إلى ترهيب كل صحفي يفكر في كشف المستور الأمريكي، إذ قام العملاء الفيدراليون بتفتيش دقيق لمنزل هانا ناتانسون ومصادرة كافة أجهزتها الإلكترونية وأدوات عملها الصحفي، بما في ذلك هاتفها المحمول وحاسوبها الشخصي وآخر خاص بالعمل، بل وصل الأمر إلى حد انتهاك خصوصيتها الشخصية بمصادرة ساعتها الذكية من نوع “Garmin”، في إشارة واضحة إلى أن المراقبة والملاحقة قد وصلت إلى أدق تفاصيل حياة الصحفيين، وقد جاءت هذه العملية تحت غطاء قانوني يستند إلى مذكرة تفتيش صادرة عن وزارة العدل بناءً على طلب من وزارة الدفاع، كجزء من تحقيق واسع يتعلق بمقاول حكومي يدعى “أوريليو بيريز-لوغونيس”، يعمل كمسؤول نظم في ولاية ماريلاند ويحمل تصريحاً أمنياً عالي المستوى (Top Secret)، حيث يُتهم بطباعة ونقل تقارير استخباراتية سرية للغاية من مكان عمله إلى منزله وسيارته، وقد عثر المحققون على بعض هذه الوثائق مخبأة بطريقة بدائية داخل “صندوق غداء” وفي قبو منزله، ورغم أن هانا ناتانسون لم تُتهم رسمياً بأي جريمة ولم تكن الهدف المباشر للتحقيق الجنائي بحسب ما أخبرها المحققون، إلا أن الطريقة العدوانية التي تم بها التعامل معها تشير إلى نية مبيتة لكسر شوكة الصحافة الاستقصائية، وهو ما تأكد من خلال تصريحات النائبة العامة الأمريكية بام بوندي، التي خرجت في تغريدة مثيرة للجدل لتؤكد أن العملية تمت بطلب مما أسمته “وزارة الحرب” (Department of War) – في زلة لسان أو توصيف متعمد يعكس العقلية التي تدار بها الإدارة الأميركية الجديدة – مشيرة إلى أن الصحفية كانت “تحصل على معلومات سرية مسربة بشكل غير قانوني وتنشرها”، ومشددة على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لن تتسامح مطلقاً مع التسريبات التي تشكل خطراً جسيماً على الأمن القومي، في إلغاء فعلي ومباشر لسياسات الحماية التي كانت متبعة سابقاً والتي كانت تمنع وزارة العدل من استهداف سجلات الصحفيين إلا في حالات قصوى، وهذا الاستهداف الممنهج للصحفية هانا ناتانسون لا يمكن فهمه إلا بالنظر إلى طبيعة عملها وتغطيتها الصحفية المزعجة للسلطة، فهي ليست مجرد مراسلة عادية، بل صحفية متمرسة حائزة على جوائز مرموقة، منها جائزة “بيبودي” لعام 2024 عن بودكاست حول العنف المسلح في المدارس، وجائزة “بوليتزر” للخدمة العامة لعام 2022 ضمن فريق تغطية أحداث اقتحام الكابيتول في 6 يناير، وقد تخصصت في الآونة الأخيرة في تغطية ملف القوى العاملة الفيدرالية، راصدة حملة إدارة ترامب الثانية لإقالة مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين وإعادة توجيه الوكالات الفيدرالية لخدمة أجندة الإدارة، بل إنها نشرت في ديسمبر 2025 مقالاً شخصياً كشفت فيه كيف تحولت إلى “وسيط” لموظفي الحكومة الخائفين، حيث تلقت أكثر من 1169 اتصالاً مشفراً عبر تطبيق “سيجنال” من مصادر داخلية تكشف عن الفوضى والتغييرات الجذرية، مما جعلها هدفاً مثالياً لعملية “تأديب” علنية تهدف لإغلاق صنبور المعلومات.

صورة مجمعة تضم الشخصيات المحورية في أزمة الحريات الأمريكية: الإعلامي جيمي كيميل في الأعلى، وتتوسط الصورة الصحفية هانا ناتانسون، وفي الأسفل النائبة العامة بام بوندي تتحدث.

لكن الصورة لا تكتمل إلا بوضع قضية هانا ناتانسون بجانب الفصل الآخر من مأساة الحريات في أمريكا، وهو ما حدث مع الإعلامي الساخر جيمي كيميل، الذي تحول هو الآخر إلى رمز للصراع على حرية التعبير، فبعد تعليقاته في 15 سبتمبر 2025 التي انتقد فيها تسييس اغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك، واجه كيميل هجمة شرسة ومنسقة قادها رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية بريندان كار، ومجموعتي “سينكلير” و”نيكستار” الإعلاميتين، اللتين علقتا بث برنامجه “جيمي كيميل لايف” وطالبتاه باعتذار علني والتبرع لمنظمة “تيرنينغ بوينت يو إس إيه”، في دمج مرعب بين الرقابة الحكومية والابتزاز التجاري، حيث هدد كار صراحة بإلغاء تراخيص بث شبكة “ABC” والشركة الأم “ديزني” إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عقابية، وهو ما احتفى به الرئيس ترامب شخصياً واصفاً إلغاء البرنامج بأنه “أخبار عظيمة”، مما يظهر نمطاً واضحاً ومفزعاً: سواء كنت صحفياً استقصائياً جاداً مثل هانا ناتانسون تكشف الوثائق، أو إعلامياً ساخراً مثل كيميل تنتقد السياسات، فإن مصيرك واحد في ظل الإدارة الأميركية الحالية، وهو الملاحقة، الترهيب، والإسكات، وهذا التزامن بين اقتحام منزل هانا ناتانسون والحصار المفروض على كيميل دفع منظمات حقوقية عالمية لندق ناقوس الخطر، حيث حذرت منظمة “مراسلون بلا حدود” من أن الولايات المتحدة قد تراجعت بشكل مخجل إلى المركز 57 في مؤشر حرية الصحافة العالمي، خلف العديد من الدول، بينما وصف معهد “نايت” التعديل الأول للدستور بأنه بات مهدداً بممارسات تشبه “الأنظمة غير الليبرالية”، مما يؤكد أن ما يجري ليس مجرد حوادث فردية، بل هو تنفيذ لسياسة ممنهجة تسعى لتحويل الإعلام من سلطة رابعة تراقب الحكومة إلى بوق دعائي يسبح بحمدها، أو “عدو للداخل” يجب سحقه بقوة القانون والسلاح، لتصبح قضية هانا ناتانسون هي العنوان الأبرز لحقبة مظلمة، بات فيها الصحفي الأمريكي ينام وعينه على الباب، خوفاً من زوار الفجر الذين يحملون شعار “وزارة الحرب” بدلاً من العدالة، في مشهد يؤكد للعالم أجمع أن الشعارات البراقة عن الحرية قد سقطت، وأن الواقع الجديد تحكمه القبضة الأمنية الأمريكية وتكميم الأفواه.