بلاك كات 24: بيروت ، لبنان
وداعًا زياد الرحباني نجل جارة القمر فيروز
في صباح السبت 26 يوليو 2025، توقف قلب زياد الرحباني، ابن الأسطورة فيروز، عن النبض في مستشفى فؤاد خوري ببيروت، عن عمر 69 عامًا، بعد صراع مرير مع المرض. رحل زياد، العبقري الذي نسج ألحانًا حملت روح لبنان وصوت جارة القمر، تاركًا جرحًا يعتصر القلوب. لم يكن زياد مجرد فنان، بل كان شعلة إبداع، شريكًا روحيًا لفيروز التي علّمته أن الأنغام يمكن أن تحمل أحلام شعب وأوجاعه. معًا، شكلا ثنائيًا خالدًا، حيث كان صوتها مرآة لألحانه، وألحانه نبضًا لقلبها. رحيله ليس خسارة لفيروز وحدها، بل ألم يعانقه كل من آمن بالفن كصوت للحقيقة والجمال.

نشأة في حضن جارة القمر
وُلد زياد في 1 يناير 1956 في أنطلياس، لبنان، وسط عائلة فنية كانت بمثابة منارة الإبداع العربي. صوت فيروز، الذي كان يعانق القلوب كضوء القمر، شكّل طفولته. تحت إشراف والده عاصي الرحباني، أتقن زياد العزف على البيانو، لكن روحه ظلت معلقة بأمه، التي كانت ملهمته الأولى. فيروز لم تكن أمًا فقط، بل كانت النور الذي أرشده إلى الفن كرسالة. في سن السابعة عشرة، وبينما كان عاصي يصارع المرض، كتب زياد موسيقى مسرحية “المحطة”، معلنًا عن موهبة فذة ورثت شغف فيروز وحولت الوجع إلى أنغام خالدة. كانت فيروز بالنسبة له الروح التي علمته كيف يحول الحياة إلى سيمفونية.

ثنائية خالدة: فيروز وزياد يرسمان التاريخ
كان تعاون زياد مع فيروز بمثابة لوحة فنية رسمت بالحب والإبداع، حيث امتزج سحر صوتها بعبقرية ألحانه التي جمعت بين الأصالة والتجديد. أعمالهما لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت قصص حياة، تحمل أحلام العاشقين، أوجاع الوطن، وصمود الإنسان. من أبرز إبداعاتهما:
- مش قصة هاي، بعتلك، ضاق خلقي، سلملي عليه، عودك رنان، سألوني الناس، قديش كان فيه ناس، نطرونا، حبو بعضن: أغانٍ تحمل نبض القلوب، حيث نسج زياد ألحانًا لصوت فيروز عكست أعمق المشاعر، من شوق العاشقين إلى وجع الوطن الممزق.
- مقدمة مسرحية “ميس الريم” ومقدمة مسرحية “بترا”: أعمال مسرحية حولت النصوص إلى سيمفونيات موسيقية تحاكي الروح.
- ألبوم وحدن (1979): تحفة جمعت بين روح فيروز الأصيلة وجرأة زياد التجريبية، لتصبح رمزًا للإبداع العربي.
- ألبوم معرفتي فيك (1987): عكس نضجًا فنيًا يلامس أعماق الوجدان.
- ألبوم كيفك أنت (1991): أيقونة الحب التي غنتها فيروز، وأصبحت نشيدًا لكل قلب ينبض بالشوق والصدق.
- ألبوم إلى عاصي (1995): تحية مؤثرة لوالده، حملت دموع فيروز وفخر زياد بإرث عائلته.
- ألبوم مش كاين هيك تكون (1999): عمل جريء يعكس روح زياد الثائرة ضد الظلم والفساد.
- ألبوم فيروز في بيت الدين (2000) وألبوم ولا كيف (2001): عروض حية جسدت التناغم العميق بين قلب الأم وإبداع ابنها.
- ألبوم ايه في أمل (2010): رسالة أمل في زمن اليأس، حيث كان صوت فيروز مرساة وزياد قائد الأوركسترا.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، كان زياد صوت الشعب، يعكس معاناته في مسرحيات مثل “شي فاشل”، بينما كانت فيروز تغني للأمل، مضيئة الظلام بصوتها الملائكي. دعمه للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي كان انعكاسًا لقيم فيروز، التي زرعت فيه حب الوطن والصمود. كان زياد يرى في صوت أمه قوة تغيير، فكتب لها ألحانًا كانت بمثابة صرخة ضد الظلم ونشيدًا للحرية.
وداع قلب جارة القمر
رحيل زياد ليس مجرد فقدان ابن، بل خسارة شريك فني كان امتدادًا لروح فيروز. علاقتهما كانت أعمق من الأمومة؛ كانت شراكة روحية نسجت تاريخًا من الألحان التي حملت أحلام لبنان وأوجاعه. اليوم، بينما تحتضن فيروز ألمها، يراها العالم كأم فقدت نصف قلبها، لكنها ستبقى جارة القمر، حاملة إرث زياد كما حملت أنغامها أحلام شعب بأكمله. فيروز، التي علّمتنا الصمود، ستظل صوتًا يتردد في القلوب، حاملة ذكرى ابنها في كل نغمة.

إرث يعانق الأبدية
زياد لم يكن مجرد ملحن، بل كان شاعر ثورة، صوت جيل، وحلم عاش ليترجم وجع الإنسان إلى فن. ألحانه، التي غنتها فيروز، مثل “كيفك أنت”، تحمل صدق الحياة وألمها، وستظل تتردد في القلوب كنشيد للحب والصمود. كان يرى الفن سلاحًا للعدالة، مستلهمًا من فيروز التي علّمته أن الصوت يمكن أن يهزّ العالم. رحيله دعوة لنا لنحتفي بإرثه، نستمع إلى ألحانه مع صوت جارة القمر، ونروي قصتهما للأجيال القادمة. فلنحمل زياد في قلوبنا كما حملته فيروز في روحها، ولنحافظ على نغمه كضوء لا ينطفئ في سماء الفن.
تابعوا أحدث الأخبار على موقع black cat 24 لمعرفة المزيد من الأحداث الفنية و إرث زياد وفيروز الخالد.


