بصمات العالم الجليل أحمد زويل الخالدة في سجلات الإنسانية
بلاك كات 24 : القاهرة _في مثل هذا اليوم، تقف الإنسانية جمعاء ببالغ التقدير والإجلال لتستذكر مسيرة استثنائية، حيث تحتفي مؤسسة نوبل بذكرى العالم الجليل الدكتور أحمد زويل، الذي رحل عن عالمنا في الثاني من أغسطس عام 2016. لقد سطر هذا الابن البار لمصر اسمه بأحرف من نور في سماء العلم، حينما مُنح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999 تقديراً لدراساته الرائدة للحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتو ثانية. إن إسهامات العالم الجليل أحمد زويل لم تكن مجرد أبحاث علمية عابرة، بل كانت ثورة حقيقية مكنت البشرية من رؤية ما لم يكن ممكناً رؤيته من قبل، ليصبح رمزاً وطنياً وعالمياً يبعث على الفخر والاعتزاز في قلب كل مصري وعربي.

تعود جذور هذا النبوغ إلى أرض الكنانة، حيث وُلد العالم الجليل أحمد زويل في مدينة دمنهور، التي عرفت باسم “مدينة حورس”، في السادس والعشرين من فبراير عام 1946، وعاش طفولة مليئة بالشغف في مدينة دسوق على ضفاف فرع رشيد لنهر النيل. لقد نشأ في كنف أسرة محبة وداعمة، وتأثر كثيراً بخاله الذي غرس فيه حب التحليل والنقد، فضلًا عن عشقه العميق لموسيقى كوكب الشرق أم كلثوم التي كانت ترافقه دائمًا في أوقات دراسته للرياضيات والكيمياء. وفي أروقة جامعة الإسكندرية، تجلى العشق الحقيقي للعلوم لدى العالم الجليل أحمد زويل، حيث حصل على درجة البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بمعدل يتجاوز 90% في جميع مجالات الكيمياء، ليُعين معيداً ويبدأ أولى خطواته الراسخة نحو المجد محاطاً بقدسية الحرم الجامعي الذي أحبه بشدة.

لم تتوقف طموحاته عند حدود الوطن، بل انطلق في رحلة علمية ملهمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليواصل شغفه اللامحدود باكتشاف أسرار الكون، وهو الشغف الذي قاد العالم الجليل أحمد زويل إلى ابتكار طرق غير مسبوقة لدراسة التفاعلات الكيميائية بتفاصيلها الدقيقة في أواخر الثمانينيات. لقد استطاع بعبقريته الفذة استخدام تكنولوجيا الليزر لإنتاج ومضات ضوئية لا تتجاوز مدتها بضع فيمتو ثانية، والفيمتو ثانية الواحدة تعادل جزءاً من مليون مليار جزء من الثانية، مما أتاح له رؤية هذه التفاعلات المعقدة في وضع الحركة البطيئة ومراقبة لحظات تكسر الروابط الكيميائية وتكوين روابط جديدة بوضوح تام. وبفضل هذه التجارب الرائدة، وضع العالم الجليل أحمد زويل حجر الأساس لمجال بحثي جديد كلياً يُعرف باسم “كيمياء الفيمتو”، والذي منح العلماء القدرة المطلقة على فهم أسباب حدوث تفاعلات كيميائية معينة دون غيرها.

تجسدت عظمة هذه الرحلة الاستثنائية في سيل من التكريمات العالمية والمحلية التي توجت مسيرته، والتي يبرز من بينها تقليد العالم الجليل أحمد زويل بقلادة النيل العظمى، وهي أرفع وسام شرفي في الدولة المصرية، بالإضافة إلى حصوله على جوائز دولية كبرى مثل جائزة الملك فيصل العالمية في العلوم وجائزة وولف في الكيمياء ووسام بنجامين فرانكلين. إن إرثه العظيم يمتد ليشمل بناء أجيال من العلماء، حيث أشرف على ما يقارب 150 طالب دراسات عليا وباحثاً خلال مسيرته الحافلة في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتيك). واليوم، بينما نستذكر محطات هذه الحياة المليئة بالإنجازات، ندرك يقيناً أن مسيرة العالم الجليل الدكتور زويل ستبقى نبراساً مضيئاً يلهم الأجيال القادمة، وشاهداً حياً على أن العزيمة المصرية قادرة على تجاوز كل الحدود واعتلاء قمة المجد الإنساني والعلمي.

ولم تقتصر إسهامات العالم الجليل أحمد زويل على الجانب العلمي والأكاديمي فحسب، بل امتدت لتشمل أبعاداً ثقافية ودبلوماسية واسعة، وهو ما وثّقه الكاتب الصحفي المصري ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أحمد المسلماني، في إصداره “قريباً من التاريخ: جلسات فكرية مع شخصيات عالمية”. فقد كشف المسلماني في طيات هذا الكتاب عن الدور المحوري الذي لعبه العالم الجليل أحمد زويل في فتح آفاق شبكة علاقاته الدولية، حيث كان له الفضل الأول في تقديمه لنخبة من صناع القرار والشخصيات العالمية البارزة عبر عواصم متعددة؛ بدءاً من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في الرياض، ووزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت ماكنمارا في نيويورك، وصولاً إلى قادة سياسيين ورموز فنية وازنة مثل الأمير كريم الأغاخان والفنانة فيروز في بيروت. وقد توطدت هذه العلاقة الوثيقة عبر مرافقة المسلماني له في زيارات شملت عشرات المدن حول العالم، إلى جانب التعاون المعرفي البارز في تحرير كتاب “عصر العلم” الذي يوثق رؤية العالم الجليل أحمد زويل بمقدمتين تاريخيتين إحداهما لأديب نوبل نجيب محفوظ والثانية للمسلماني نفسه، لتنطلق فصول كتابه الجديد من رحم هذه اللقاءات الاستثنائية التي تؤكد مكانة عالمنا المصري الدكتور أحمد زويل كجسر حضاري يربط بين العلم والسياسة والثقافة.


