Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » المخرجة Ingrid Nachstern في حوار حصري لـ “بلاك كات 24”: عن سحر الكلمة ووقار الجسد الذي يرفض الانكسار أمام زيف الكمال

المخرجة Ingrid Nachstern في حوار حصري لـ “بلاك كات 24”: عن سحر الكلمة ووقار الجسد الذي يرفض الانكسار أمام زيف الكمال

صورة سريالية للمخرجة Ingrid Nachstern تدمج نصوصاً لغوية وحركة باليه ورموز الكرامة الإنسانية.

من انضباط الباليه إلى وهج السينما التجريبية.. كيف أعادت المخرجة Ingrid Nachstern صياغة مفهوم الرحمة عبر عدسة تخترق مسام الوجع الإنساني؟

أيرلندا – حاورها لـ “بلاك كات 24”: أحمد قرمد

تُعد المخرجة Ingrid Nachstern صوتاً سينمائياً وتعبيرياً فريداً يتجاوز الحدود التقليدية للفن؛ فهي لا تكتفي بتقديم الصورة، بل تُشرِّح “الزمن الإنساني” عبر حوارية معقدة بين الحركة والكلمة. إن رحلة المخرجة Ingrid Nachstern هي ملحمة من التحولات الإبداعية الرصينة؛ فقد وُلدت في دبلن لأبوين من أصول إنجليزية وبولندية، وشكلت دراستها للغات في Trinity College Dublin هويتها الأولى كمترجمة، قبل أن تكرس سنوات طويلة من حياتها لتدريس الباليه الكلاسيكي وإدارة مدرستها الخاصة Nachstern Ballet School (1998-2017). ومنذ تأسيسها لشركة Night Star Dance Company في عام 2003، ثم اقتحامها عالم السينما في عام 2014، استطاعت المخرجة Ingrid Nachstern أن تخلق لغة بصرية فريدة تدمج فيها بين الحوارات الشعرية وحركة الجسد المتمردة، محولةً الشاشة إلى ساحة للمكاشفة والمواجهة الأخلاقية.

ثلاث شخصيات فوق شجرة: Mannequin، وMillie Daniel-Dempsey، والمخرجة Ingrid Nachstern، يرتدين مشدات وتنانير طويلة.

في فضاءات السينما التجريبية التي لا تقنع بمحاكاة الواقع، تبرز المخرجة Ingrid Nachstern كقوة فنية ومجتمعية تخوض معاركها بوقار ورقة؛ فهي باحثة في أنثروبولوجيا الجسد والذاكرة، تتتبع الأثر الذي تتركه الصدمات التاريخية والضغوط المعاصرة على الروح البشرية. وعبر تباينات الأبيض والأسود والألوان المتقدة، تغزل المخرجة Ingrid Nachstern حكايات المقاومة النسائية، رابطةً بين مآسي الماضي في أيرلندا وتحديات الحاضر الرقمي. إن فوز فيلمها الأخير Pins in Her Eyes بجائزة أفضل فيلم تجريبي في Swedish International Film Festival يمثل انتصاراً لـ “سينما الرحمة” التي تنحاز للإنسان في أوج هشاشته، مؤكدةً أن الفن في أرقى صوره هو فعل إيمان بالكرامة الإنسانية. وفي موقع بلاك كات 24، كان لنا هذا الإبحار الوجداني المعمق مع المخرجة Ingrid Nachstern، لنغوص في تفاصيل أعمالها ورؤيتها التي تجعل من “اللطف” العصب الذي يربط العالم ببعضه.

المخرجة Ingrid Nachstern تحمل كاميرا فيديو وشهادة فوز بجائزة SIFF من مهرجان Swedish International Film Festival.

رحلة “Pins in Her Eyes” من وجع التاريخ إلى وهج التتويج في السويد

أحمد قرمد : في البداية، تهانينا على فوزك بجائزة أفضل فيلم تجريبي في مهرجان السويد الدولي للسينما (Swedish International Film Festival)! فيلمك الجديد “Pins in Her Eyes” يتناول الضغوط المجتمعية المتواصلة على جسد الأنثى ورفض الجراحات التجميلية. هل يمكنك إخبارنا المزيد عن عنوان الفيلم ولماذا شعرتِ أن هذا هو الوقت المناسب لمعالجة “الاعتداء” على جسد الأنثى من خلال فنك؟

صورة كاملة للمخرجة Ingrid Nachstern تقف متوازنة على قدم واحدة في زاوية غرفة بيضاء، وهي مبتسمة بابتسامة واسعة. ترتدي سترة منفوخة (puffer jacket) باللون الأحمر اللامع وفستاناً حريرياً باللون الأخضر الزمردي، مع بوط بيضاء. يدها اليسرى ممتدة للأمام، واليد اليمنى تستند على الجدار. تقف فوق سجادة حمراء مستطيلة.
Surrealist portrait of Ingrid Nachstern. © Michael Cooney

المخرجة Ingrid Nachstern: “شكراً لك على تهانيك بفوز فيلم PINS IN HER EYES بجائزة أفضل فيلم تجريبي في مهرجان السويد الدولي للسينما (Swedish International Film Festival). لقد كنت متفاجئة للغاية ولكن سعيدة! لم أكن لأحقق ذلك لولا المساهمة الرائعة من طاقم العمل والممثلين لدي؛ فقد استغرق الفيلم أكثر من خمس سنوات من العمل، تخللتها فترة كوفيد في المنتصف. اضطررت لتقسيم التصوير بين لندن ودبلن بسبب التكاليف المعنية. قمنا بتصوير (أو بالأحرى قام مدير التصوير المذهل لدي Keith Driscoll بالتصوير!) عدة مشاهد في لندن عام 2022 والمشاهد الستة عشر المتبقية في دبلن عام 2024. إن نجاح الفيلم حتى الآن مرضٍ بشكل خاص لأنه بدأ بداية بطيئة! ما يريده كل صانع أفلام، بعد كل الطاقة والتركيز والتفاني الموضوع في فيلمه، هو أن يُشاهد الفيلم وتصل رسالته إلى الجمهور.

ملصق فيلم PINS IN HER EYES باللونين الأبيض والأسود، يظهر عدة أيدي تمسك بصينية فضية مزخرفة، مع عرض لجوائز المهرجانات السينمائية وتفاصيل فريق العمل والإنتاج وشركة NIGHT STAR DANCE COMPANY.
Poster for “PINS IN HER EYES”. © Keith Driscoll

عنوان الفيلم PINS IN HER EYES (دبابيس في عينيها) منفر للغاية. لكنني آمل ألا يكون متطرفاً جداً. كما هو الحال في مجمل أعمالي، أشعر أنني يمكنني الذهاب بعيداً ولكن ليس بعيداً جداً حتى لا أفقد جمهوري على طول الطريق. قال لي أحدهم إن العنوان جعله يتلوى. خطرت لي فكرة قبل عدة سنوات حول عبارة ‘أفضل وضع دبابيس في عيني على أن أفعل كذا…’. ومن هنا جاءت فكرة العنوان. الناس يحمون أعينهم، لذا فإن فكرة وضع شيء فيها أمر لافت للنظر. لكن هذا الاعتداء المجازي على العين يسلط الضوء على الاعتداء المرعب الذي يحدث على الجسد أثناء الجراحة التجميلية. سأقوم بوضوح بالتمييز بين الجراحة التجميلية الترميمية بعد حادث ما، وبين الجراحة التجميلية التقليدية المستخدمة لإنشاء الجسد ‘المثالي’. ما يقلقني بشكل خاص هو الضغط على الفتيات الصغيرات جداً لامتلاك هذا الجسد ‘المثالي’. يتم دفع هذه الفكرة لهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي. سمعت صباح اليوم فقط عن فتيات في العاشرة من العمر يتبعن نظاماً للعناية بالبشرة، وهو أمر مثير للسخرية ولكنه مقلق جداً أيضاً. يمارس عليهن ضغط لشراء منتجات تجميل عديمة الفائدة تسبب لهن الضرر في الواقع. كما يسبب ذلك القلق والاكتئاب مع تقدمهن في السن بتفكيرهن أنهن لسنا جميلات بما فيه الكفاية.

لقطة باللونين الأبيض والأسود لثلاث راهبات يرتدين أغطية رأس بيضاء كبيرة ويسرن للأمام في منطقة مشجرة، وكل منهن تحمل دبوساً رفيعاً أمام وجهها.

عندما كنت أنمو، لم يكن هذا الضغط المحدد موجوداً. حتى أنني أتذكر كوني في الجامعة، أتجول بفستان Laura Ashley ومعطف أفغاني، مدركة ببساطة لنوع الشامبو الذي أستخدمه! لحسن الحظ أيضاً، عندما كانت ابنتاي تنموان، لم يكن الهاتف الذكي قد اختُرع بعد وتم تجنيبهما أسوأ الضغوط الموجودة الآن. فكرت في صنع هذا الفيلم بعد أن اطلعت على عدة مقالات حول ممارسة ‘تقسيم الارتفاق العاني’ (symphysiotomy). كانت هذه ممارسة نفذتها المهنة الطبية في أيرلندا بين الأربعينيات والثمانينيات وكانت تفضلها الكنيسة الكاثوليكية. تضمنت الممارسة قطع المفصل في مقدمة الحوض للسماح بتوليد الطفل عن طريق المهبل. ترك ذلك النساء يعانين من آلام وإعاقة مدى الحياة، وغالباً ما كان يتم دون موافقتهن. رفعت بعض النساء قضاياهن إلى أوروبا، ولكن على حد علمي لم ينجحن؛ وكان لهذا علاقة بقانون التقادم. لذا كانت هذه نقطة انطلاقي، ثم تطورت فكرتي لتشمل الجراحة التجميلية في العصر الحالي. في الفيلم، تم تصوير العيادة الحالية بالألوان، والمشاهد التاريخية بالأبيض والأسود. كانت زيارة معرض الفنانة العالمية Marina Abramović في الأكاديمية الملكية بلندن قبل عدة سنوات هي التي أعطت المخرجة Ingrid Nachstern هذه الفكرة! وآمل أن تعمل مشاركة الفتيات في الرياضة كرادع لفكرة ‘الجسد المثالي’؛ فمن خلال الرياضة، سيتوسع تركيزهن ويصبح أشمل.

المخرجة Ingrid Nachstern تمارس حركات رقص تعبيري في استوديو، مرتدية ملابس باللونين الأسود والرمادي فوق أرضية خشبية.

كيمياء اللغات وإيقاع الباليه في التكوين السينمائي

أحمد قرمد : لديكِ خلفية رائعة كمترجمة ومعلمة للباليه الكلاسيكي. في صناعة الأفلام، غالباً ما تستخدمين نصوصاً مكتوبة بـ “أبيات شعرية” (rhyming couplets). كيف تؤثر خلفيتكِ اللغوية على إيقاع أفلامكِ، وكيف تجدين التوازن بين السيناريو “اللفظي” وحركة الرقص “الصامتة”؟

المخرجة Ingrid Nachstern : “شكراً جزيلاً لك على تشجيعك! أنت محاور مثالي!! نعم، أنت على حق. كنت مترجمة ولاحقاً معلمة للباليه الكلاسيكي. أعتبر نفسي محظوظة للغاية لأنني كنت دائماً شغوفة بعملي. والدي العزيز، الراحل Arthur Nachstern، كان يتحدث سبع لغات بما في ذلك لغته الأم البولندية. لم أكن أتحدث البولندية بشكل صحيح ولكننا كنا نتحدث مع قطتنا بالبولندية! لذا نشأت حول اللغات وهذا ألهمني للالتحاق بجامعة ترينيتي دبلن (Trinity College Dublin) لدراسة الفرنسية والإيطالية (ولاحقاً الألمانية في معهد غوته في دبلن وتورنتو). لقد استمتعت باللغات لدرجة أنني كنت أقوم بحل فروض الجميع في اللغة الفرنسية في فصلي! في البداية كنت أرغب في أن أكون مترجمة فورية في الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، تلقينا حديثاً عن المسارات المهنية عندما كنت في الرابعة عشرة، وقيل لنا إن العمر المهني للمترجم الفوري لا يتجاوز عشر سنوات، لذا قررت التوجه نحو طريق الترجمة التحريرية. وعندما توقفت عن العمل كمترجمة، انتقلت إلى تدريس الباليه الكلاسيكي في الفترة ما بين (1999-2017). وفي عام 2014، دخلت عالم صناعة الأفلام، وشعرت بمتعة حقيقية في استخدام لغات مختلفة في أعمالي؛ ففي فيلمي الأول Table Manners/Stopping at Red Lights، استخدمت عبارة “¿Donde esta el equipaje?”، ولم تكن تعني أي شيء في السياق، بل كانت مجرد لحظة سريالية أردت إضافتها.

امرأة تجلس خلف طاولة داكنة في غرفة مظلمة، ترتدي فستاناً أسود بأكمام منفوخة وتنظر مباشرة إلى الكاميرا بتعبير جدي تحت إضاءة درامية.
Portrait of Ingrid Nachstern. © Ewa Figaszewska

إيقاع عملي في أيام ما قبل السينما كان ينبع من تصميم الرقصات الخاص بي. ومع ذلك، عندما شاركت في ورشة عمل مع مصممة الرقصات البرتغالية Claudia Dias—وكانت واحدة من أكثر الورش تحدياً في مسيرتي—حدثت لي لحظة الانطلاقة الحقيقية؛ فقد كتبت عدة جمل على قصاصات ورقية ووضعتها في إبريق شاي وطلبت من كل منا اختيار واحدة، فكان نصيبي جملة “التلوث ضار بالبيئة”. شعرت بالذعر حينها وفكرت أن تصميم رقصة حول هذا الموضوع سيكون صعباً للغاية، لكن Claudia أشارت إلى وجود ميكروفون في الغرفة يمكننا استخدامه إذا رغبنا. أتذكر بوضوح أنني كنت أنوي تجنب الميكروفون، ولكن في النهاية انجرفت نحوه ولم أستطع التوقف عن التحدث فيه! أدى ذلك لاحقاً لدمج النص واللغة في أفلامي، حيث ظهرت اللغة بشكل أو بآخر على هيئة “أبيات شعرية” (rhyming couplets)، ولم يكن هذا قراراً واعياً مني، لذا فأنا أدين بالفضل لـ Claudia.

امرأة شقراء مبتسمة ترتدي قبعة رمادية وقميصاً بنقوش ملونة، تقف أمام لافتة مهرجان Dublin Dance Festival.
Ingrid Nachstern at the Dublin Dance Festival. © Matthew McConnell

عندما كنت أعمل على فيلمي الثاني Freedom-to go!، جلست على طاولة المطبخ بشكل متقطع على مدار ستة أسابيع، وجاءتني تلك الأبيات الشعرية ببساطة؛ شعرت أنني مجرد وعاء لتلك الكلمات، وأنني لم أكتبها حقاً بجهد مقصود. وللإجابة على سؤالك بشأن التوازن بين السيناريو اللفظي والحركة الصامتة، فإن السيناريو الآن يأتي أولاً، ثم تتبعه الحركة، لكن النص اللفظي يتدخل مرة أخرى إذا لم أتمكن من العثور على الحركة المناسبة لقول ما أريد. حتى الآن، استخدمت في أفلامي جملاً بالإسبانية والألمانية والأيرلندية، وقد فاجأت نفسي باستخدام عبارة بالأيرلندية في فيلم PINS IN HER EYES، فرغم اهتمامي بهذه اللغة في المدرسة إلا أن زملائي لم يشاركوني نفس الحماس لكونها كانت مادة إجباريّة.

ملصق فيلم Shoe Horn / Office يظهر طريقاً طويلاً وسط حديقة واسعة مع شخص يسير في المنتصف، وتزدان الواجهة العلوية بالعشرات من شعارات جوائز المهرجانات السينمائية العالمية، مع سرد لأسماء فريق العمل والإنتاج في الأسفل.

أحب أيضاً استخدام اللكنات في أفلامي؛ فقد استخدمت اللكنة الاسكتلندية بكثافة في فيلم Shoe Horn/Office نتيجة قضائي فترة تفرغ فني في لندن عام 2016، حيث كان أحد مدرسي الباليه لدي اسكتلندياً. كما استخدمت لكنات إنجليزية راقية في (Shoe Horn/Office, PINS IN HER EYES)، ولكنات ريفية أيرلندية في (PINS IN HER EYES)، بالإضافة إلى اللكنات الأمريكية واللكنة الخاصة بمدينة دبلن. أنا دقيقة جداً بشأن استخدام اللكنات؛ إذ يجب أن تكون متقنة تماماً وإلا فقدت قيمتها.

مجموعة من الراقصات في استوديو باليه يؤدين حركات رقص كلاسيكية؛ تبرز في المقدمة راقصة ترتدي تنورة سوداء وجوارب بيضاء، مع وجود راقصات أخريات في الخلفية بوجوه غير واضحة.

كنت أستخدم الباليه كوسيط عندما كنت أعمل كمصممة رقصات فقط، واستخدمته تحديداً في قطعتي Only Some People Die التي عُرضت على مسرح Civic Theatre في دبلن عام 2004، وكذلك في أول عمل لي Swirling Leaves عام 2000 الذي لم يرَ النور رغم اعتقادي حينها أنه تحفة فنية. لحسن الحظ، إحدى معلماتي العظيمات، Anica Louw، شجعتني برسالة ورقية قائلة إن لدي “عيناً جيدة”، وهذا ما دفعني للاستمرار. ولإكمال الدائرة، أقيم العرض الأول لفيلم PINS IN HER EYES في Shawbrook, Longford بأيرلندا في نوفمبر 2025 بدعوة من Anica! لاحقاً، بدأت أستخدم نسختي الخاصة من الرقص المعاصر في أفلامي لتوضيح رؤيتي، ورغم أنني لم أعد أستخدم الباليه كعنصر أساسي في أفلامي، إلا أنني أحرص على حضور دروس الباليه اليومية في الاستوديو في لندن وعبر “زووم” مع الرائعة Anna du Boisson، الحاصلة على وسام الإمبراطورية البريطانية OBE.

إرث الوالد الموسيقي والكاميرا كشريك في تصوير الروح

أحمد قرمد : كان والدك عازف كمان متميزاً، وعدتِ أنتِ للرقص في الثلاثينيات من عمرك بطاقة إبداعية متجددة. كيف شكل هذا التاريخ الشخصي —بدمج الموسيقى وإرث العائلة وانضباط الباليه— هوية شركتك Night Star Dance Company؟ وهل تعمل الكاميرا الآن كـ “شريك” يصور الروح البشرية بطرق لا يستطيع المسرح القيام بها؟

بورتريه لامرأة مبتسمة بملامح هادئة، ترتدي سترة جلدية سوداء فوق قميص أبيض بياقة مخططة، تقف في بيئة خارجية مشجرة بوسط خلفية ضبابية.

المخرجة Ingrid Nachstern: أشكرك على هذه العملية التي أتاحت لي التأمل في عملي بعمق. نعم، والدي الراحل الحبيب كان عازف كمان متميزاً؛ درس في أوديسا تحت إشراف Pyotr Stolyarsky، معلم العباقرة Milstein وOistrakh. عانى والدي وجداي كثيراً تحت حكم البلاشفة، وبعد انتقاله إلى بولندا وبداية مسيرة ناجحة، اضطر للفرار مرة أخرى إلى إيطاليا والنمسا حيث عزف مع أوركسترات روما وفيينا. رغم تأثير الحرب الهائل عليه، إلا أن موقفه المرح تجاه الحياة هو ما أنقذه؛ فقد كان محباً لعائلته وموسيقاه، بعيداً عن المادية، يستمتع بتمشياته اليومية وسماع الراديو وكوميديا الـ BBC.

نشأت وأنا أسمعه يتدرب يومياً؛ حتى في عطلاتنا الصيفية كان يصطحب كمانه معه. أتذكر ملابس الحفلات الموسيقية الرسمية الخاصة به وهي ممددة على السرير، وكنا نعود مبكراً من نزهاتنا العائلية أيام الآحاد ليتمكن من اللحاق بحفلاته المسائية. كنت أنزعج من العودة المبكرة قديماً، لكنني الآن، بعد أن اختبرت حالة ما قبل الأداء، أتعجب كيف كان قادراً على ممارسة حياة طبيعية قبل الصعود للمسرح! كان والدي يتحدث سبع لغات، وهو ما أبهرني دائماً.

أعتقد أن هويتي كابنة لمهاجرين (والدتي إنجليزية) هي هوية ‘الغريب’ (outsider)، وهذا الشعور مكنني من الوقوف بعيداً ومراقبة العالم بوضوح. لقد أنقذ الباليه حياتي عدة مرات من القلق والاكتئاب، لذا أرى كل شيء في عملي من خلال منظور الموسيقى واللغات والباليه. من المذهل حقاً أن تصبح السينما وسيطي المفضل منذ عام 2014؛ فالكاميرا تعمل كـ ‘شريك’ يصور الروح البشرية بطرق لا يستطيع المسرح القيام بها. في الفيلم، أقوم بتجريد كل شيء إلى الأساسيات الجوهرية، والفيلم يسهل نشر رسالتي وتوجيه تركيز المشاهد تماماً. آمل ألا يدمر الذكاء الاصطناعي صناعة الأفلام الحقيقية؛ فالفيلم يجب أن يحرك الروح ويحول وجهة نظر المرء. إذا فقدنا إنسانيتنا فقد ضلنا تماماً. لقد استلهمت الكثير من المخرجة الرائدة Maya Deren التي تحدت كل الصعاب في الأربعينيات والخمسينيات. الانضباط الذي تعلمته من الباليه ومن والدي هو ما يقودني دائماً للنجوم.”

رسالة الرحمة في مواجهة زيف “الكمال البصري”

أحمد قرمد : تهدف أعمالك دائماً لتحدي وجهة نظر الجمهور للعالم، حيث تغطي مواضيع من التمييز الجنسي إلى حرب العراق. وبينما تشاركين فنك مع جمهور ناطق بالعربية عبر بلاك كات 24، ما هي رسالة “الرحمة” أو “الإنسانية” التي تأملين أن تنقلها أفلامك لثقافة عالمية مهووسة حالياً بـ “الكمال البصري”؟


بورتريه بالأبيض والأسود لامرأة شقراء تنظر مباشرة إلى الكاميرا بملامح هادئة، ترتدي قميصاً فاتح اللون بياقة داكنة عالية، مع خلفية ضبابية.

المخرجة Ingrid Nachstern: “شكراً جزيلاً لك يا أحمد. هدف عملي هو تحدي نظرة الجمهور للعالم؛ فلا يمكنني صنع فيلم إلا إذا كنت أشعر بشغف حقيقي تجاهه. المواضيع التي حفزتني شملت التمييز الجنسي، حرب العراق، ثقافة المشاهير، مسابقات جمال الأطفال، الجراحة التجميلية، والبيئة. بصفتي نسوية، أهتم جداً بالعالم الأنثوي والمظالم التي تقع فيه، لكنني لست ‘ضد الرجال’، بل ضد من يستغلون امتيازاتهم لإيذاء النساء. في عام 2009، قدمت قطعة رقص بعنوان Watch…Es تناولت الضغوط التي يتعرض لها رجال القرن الحادي والعشرين تحت إشراف معلمتي الرائعة Laurie Uprichard التي دعمتني كثيراً ووجهتني نحو مسار التجريب في نيويورك.

سؤالك حول رسالة ‘الرحمة’ هو سؤال ممتاز؛ ففي دفاعي عن النساء، أنا أطالب برؤية إنسانيتهن ومنحهن الرحمة. من ‘ربط القدم’ إلى ‘كسر الحوض’، أسلط الضوء على هذه المآسي لهز الجمهور من حالة التبلد. الهوس بـ ‘الكمال البصري’ ضار جداً ويغفل روح الإنسان ويجعل العالم أكثر قسوة. أود من المشاهد أن يعتبر الممثلين في أفلامي كبشر؛ فإذا خرج المشاهد ومعه ذرة إضافية من الإنسانية، فقد نجح الفيلم. اللطف هو أصل المجتمع المدني وبدونه نحن هالكون. لا يهمني إن أحب الناس أفلامي أم لا، لكن ما يهمني هو ألا يصابوا بالملل، لأن الملل يمنعني من نقل رسالتي. إنه لشرف كبير لي أن أشارك فني مع الجمهور الناطق بالعربية عبر بلاك كات 24.”

امرأة شقراء تجلس على كرسي أسود، ترتدي زياً كحلياً بياقة بيضاء وقبعة وردية عريضة الحواف وحذاءً أبيض، تنظر إلى الجانب في قاعة ذات خلفية داكنة.

بينما نطوي صفحات هذا الحوار الاستثنائي مع المخرجة Ingrid Nachstern، ندرك أننا أمام فنانة جعلت من عدستها “مبضع جراح” يداوي جراح التاريخ بلمسات فنية حانية. لقد أثبتت لنا المخرجة Ingrid Nachstern أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على قول “لا” لزيف المظاهر، وفي الانحياز الدائم لصدق المشاعر الإنسانية التي لا تذبل بمرور الزمن. ومن خلال رحلتها من دبلن إلى لندن وصولاً إلى منصات التتويج في السويد، تظل المخرجة Ingrid Nachstern حارسة للإنسانية، تعيد لنا الإيمان بأن الفن هو فعلُ رحمة قادر على تحويل الألم إلى نور. وفي موقع بلاك كات 24، نعدكم بأن نظل دائماً النافذة التي تطل على هذه النماذج الملهمة التي تجعل عالمنا في أيرلندا مكاناً أكثر حناناً ورحمة من خلال سينما تخترق القلوب.