الرئيسية » فيلم Rehmat في مسابقة Locarno Film Festival: كيف تتحول جراح Punjab المعاصرة إلى ملحمة بصرية؟

فيلم Rehmat في مسابقة Locarno Film Festival: كيف تتحول جراح Punjab المعاصرة إلى ملحمة بصرية؟

لقطة من فيلم Rehmat تظهر امرأة شابة بملامح حادة، تجلس في مطبخ خافت الإضاءة وتمسك بعصا خشبية غليظة بتأهب، وتنظر مباشرة نحو الكاميرا من خلال فتحة جدارية مستطيلة

أشباح الذاكرة وندوب التاريخ: فيلم Rehmat يعري مأساة Punjab المعاصرة

بلاك كات 24 : سويسرا _كيف يمكن لعدسة سينمائية أن تلتقط أرواحاً عالقة بين مطرقة التاريخ وسندان الانقسامات السياسية والدينية المتجذرة؟ في مشاركته المتميزة ضمن مسابقة Concorso Internazionale في Locarno Film Festival الممتد من 5 إلى 15 أغسطس 2026، يأخذنا المخرج المبدع Gurvinder Singh في رحلة ملحمية تمتد لمئة وسبع وخمسين دقيقة عبر فيلم Rehmat. إننا لا نقف هنا أمام مجرد شريط سينمائي تقليدي يعتمد على الحبكات السريعة، بل أمام وثيقة بصرية حية وتأملية تنبش بعمق في ذاكرة إقليم Punjab المعاصر. هل يمكن للزمن الممتد واللقطات الطويلة التي يفضلها المخرج أن تكون بديلاً عن الحوارات المباشرة في التعبير عن الفجيعة؟ يطرح فيلم Rehmat هذا التساؤل الملح في كل كادر من كادراته، مستلهماً بنيته السردية من القصص القصيرة للكاتبة المخضرمة Ajeet Cour، ليغوص في تعقيدات الاقتلاع والحزن الموروث الذي يطارد الأجيال المتعاقبة منذ تقسيم الهند عام 1947. من خلال هذا النسيج الدرامي المعقد، يجسد العمل ببراعة فائقة حياة أناس يتمسكون بآخر خيوط الأمل والتعاطف، متجاوزين كل القوى العاتية التي تسعى لتمزيق هويتهم المشتركة، وهنا يتجلى فيلم رحمت كشهادة بصرية قوية على صمود الإنسانية في وجه الخراب.

إطلالة صامتة للنجم نصير الدين شاه من نافذة خشبية عتيقة الطراز في لقطة معبرة من فيلم Rehmat، حيث يطل بوجهه من قلب العتمة ليعكس حالة الاغتراب والبحث عن الجذور المفقودة

عبء البقاء ووجع الفقد: صرخات مكتومة في عتمة الليل
إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يضحي بأمانه الشخصي وأمان عائلته من أجل إنقاذ غريب لا يعرفه؟ يتفرع فيلم Rehmat إلى ثلاث حكايات متشابكة ببراعة ومغزولة بخيوط من الألم والترقب. تبدأ الأحداث بامرأة شابة تخاطر بكل شيء في ليلة عاصفة لتؤوي رجلاً جريحاً في منزلها وتخفيه عن أعين السلطات المتربصة، في تحدٍ صارخ لواقع سياسي واجتماعي مشحون بالشكوك. وماذا عن العائلات التي تفقد أبناءها في صمت تام دون أن يلتفت إليهم أحد؟ في الحكاية الثانية، نتابع عائلة مفجوعة تحاول النجاة واستعادة توازنها بعد مقتل ابنها برصاص الشرطة، حيث يجد الجد Harjap، الذي يجسده الشاعر المعروف Jaswant Zafar في أول وأقوى ظهور سينمائي له، نفسه مضطراً لتحمل مسؤولية العائلة بأكملها، ومواجهة ضغوط المجتمع المحيط. أليس من المفارقات القاسية والموجعة أن العائلة الحقيقية التي استعار فيلم Rehmat منزلها لتصوير مشاهد شخصياته، قد فقدت بالفعل ابنها الشاب بجرعة مخدرات زائدة بعد شهرين فقط من لقاء طاقم العمل به؟ هذا التداخل المفزع والمأساوي بين الواقع الصارخ والخيال السينمائي يضفي على العمل طبقة من الأسى الحقيقي، ويدفعنا للتساؤل بحرقة: هل تصنع السينما واقعنا أم أن الواقع هو الذي يفرض قسوته ومآسيه على الشاشة الكبيرة؟

لقطة من فيلم Rehmat يظهر فيها الجد هارجاب بعمامته ولحيته البيضاء، متكئاً بثقل على شرفة حجرية مزخرفة في مبنى قروي متهالك، ليعبر بصمت عن أعباء الفقد والمسؤولية

فيلم Rehmat وسرديات الاقتلاع: هل يمكن للزمن السينمائي أن يداوي ذاكرة مشطورة؟
ما الذي يدفع رجلاً مسناً ومثقلاً بسنوات العمر للعودة إلى جذور اقتُلع منها قسراً، بعد عقود طويلة قضاها في الاغتراب البارد في إنجلترا؟ يتجسد هذا التساؤل الفلسفي والنفسي العميق في الحكاية الثالثة والمحورية من فيلم Rehmat، حيث يطل علينا النجم الهندي الكبير Naseeruddin Shah في أداء استثنائي لشخصية Rashid Ali. هذا الرجل المسلم الذي غادرت عائلته مسقط رأسها قبل التقسيم المشئوم، يطرق أبواب قريته القديمة متخذاً في البداية طابعاً عجائبياً ورمزياً وكأنه يمتلك سراً كونياً. إنها استعارة سينمائية شديدة الذكاء تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات لا حصر لها حول الهوية، الانتماء، والبحث عن اليقين المفقود. كيف يستقبل أصحاب المنزل الجدد، الذين ينتمون لثقافة مختلفة، هذا العائد من ضباب التاريخ محملاً بالذكريات؟ يبرع فيلم Rehmat في تصوير تلك اللحظات الإنسانية المشحونة بالتوجس الأولي ثم التآلف التدريجي، متجاوزاً ببراعة حواجز الاختلاف، ليؤكد في النهاية على أن الروابط الإنسانية العميقة تتفوق دائماً على أوهام التقسيم وخطابات الكراهية التي خلفتها صراعات الماضي.

لقطة مزدوجة من Rehmat؛ يُظهر النصف العلوي شابة تقف بملامح قلقة أمام باب حديدي مغلق، بينما يعرض النصف السفلي مشهداً واسعاً لشخص يحمل حقيبة ويسير وحيداً في طريق ريفي مشجر، مما يجسد ثنائية الانتظار والرحيل

عدسة تقاوم النسيان: الجسد والقرية كخرائط للآلام التاريخية
هل يكفي الأداء التمثيلي وحده لترجمة ندوب التاريخ الغائرة في النفوس؟ لقد اختار المخرج ألا يوجه أسطورة التمثيل Naseeruddin Shah بشكل تقليدي صارم، بل تركه يحول جسده، حركاته البطيئة، وتعامله الصامت مع الأشياء المحيطة به إلى تعبير شخصي خالص عن مرارة الغربة وحنين العودة. ينسج فيلم Rehmat تفاصيله البصرية بعناية فائقة وحساسية مفرطة، محولاً المباني المتهالكة في القرية، كالمدرسة التي تعود للقرن التاسع عشر والأزقة المهملة المتشابكة في قلب Punjab، إلى شهود صامتين على التحولات القاسية والانهيار المجتمعي. ألا تعكس هذه الجغرافيا المتصدعة والمباني المتهالكة حالة الفراغ الداخلي، فقدان الخيال، واليأس الذي يعاني منه الشباب اليوم، والذي يدفعهم للهروب المستمر نحو الغرب بحثاً عن سراب الخلاص؟ لا يتوقف فيلم Rehmat عند حدود الرصد العابر أو التوثيق الجامد، بل يستخدم اللقطة الطويلة غير المقطوعة كأداة بصرية أساسية لتوريط المشاهد في هذا الزمن البطيء والمثقل بالذكريات، ليصبح كل كادر سينمائي بمثابة وثيقة بصرية تدين التمزق وتنتصر لحق الإنسان في الوجود والذاكرة.

مشهد سينمائي يجمع بين النجم نصير الدين شاه ورجل سيخي مسن في حوار هادئ ونظرات متبادلة أمام باب خشبي أزرق، مما يعكس التفاعل الإنساني العميق وسط الانقسامات

شهادة حية تتجاوز حدود الشاشة وتوثق للمأساة الإنسانية
إذا كانت السينما في جوهرها الأصيل أداة للبحث عن الحقيقة ومواجهة الذات، فما الذي تتركه في نفوسنا بعد أن تضاء أنوار القاعة وتختفي الصور؟ لا يقدم فيلم Rehmat إجابات معلبة أو نهايات مريحة ترضي الجمهور العابر، بل يتركنا مثقلين بأسئلة وجودية حارقة حول إمكانيات التسامح، التعايش، وقبول الآخر في مجتمعات لا تزال تنزف يومياً من جراح الماضي غير الملتئمة. من خلال التقاطعات المدهشة بين شخصياته ذات الخلفيات الثقافية والدينية المتباينة التي تتشارك نفس الأرض ونفس الوجع، يبرهن هذا الشريط السينمائي، الذي ينبض بروح فيلم رحمت في كل تفصيلة من تفاصيله، على أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يرفض الانحياز لأي سلطة سوى سلطة الإنسان وضعفه. إن هذا الإنجاز السينمائي ليس مجرد استرجاع لآلام حقبة التقسيم الدامية، بل هو مرآة ناصعة تعكس صمود الروح البشرية أمام محاولات الطمس الممنهج، ووثيقة تاريخية صارخة تؤكد أن السينما قادرة دوماً، وبكل قوة، على أن تكون الملاذ الأخير لحفظ ذاكرة الشعوب من التلاشي في غياهب النسيان.