اغتراب الصورة داخل فيلم ملكة القطن: هل طغت خريطة التمويل على نبض الواقع؟
بلاك كات 24 : أحمد قرمد
على النقيض من الانزلاق نحو الغرائبية البصرية وافتعال الفضاء المجتمعي الذي طال أعمالاً سابقة مثل فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران»، يضعنا فيلم ملكة القطن Cotton Queen للمخرجة سوزانا ميرغني أمام أزمة فنية مغايرة، ترتكز أساساً على التكدس السردي وانهيار الاقتصاد الدرامي. فالعمل، الذي استُنسخ وتمدد من رحم فيلمها القصير «الست»، وقع ضحية لآفة التجارب الروائية الأولى؛ حيث السعي المحموم لحشر حزمة من القضايا المعقدة — بدءاً من ختان الإناث والزواج المبكر، وصولاً إلى أطماع الاستعمار الجديد عبر البذور المعدلة وراثياً — في حيز زمني لا يتسع لها. هذه التخمة السردية سحبت من الشخصيات روحها الإنسانية، لتُحيلها إلى مجرد أدوات ناطقة بأطروحات سياسية، وسط تذبذب أسلوبي يفتقر إلى التمهيد المنطقي بين واقعية جافة ولمسات سحرية مقحمة.
سوزانا ميرغني، مخرجة سودانية-روسية مقيمة في قطر، تقدم في فيلم ملكة القطن عملاً عن قرية قطنية سودانية من موقع جغرافي واجتماعي بعيد عن الأرض التي تدّعي تصويرها. ومن ليس بأرض الواقع يصعب عليه أن ينقل نبضه الداخلي؛ فالصورة تأتي مصفاة عبر مسافة مزدوجة: مسافة الإقامة في الخارج، ومسافة الإنتاج الدولي الذي فرض على الفيلم أن يُصوَّر في مصر بسبب الحرب، لا في السودان نفسه. هذه المسافة تترك أثرها بوضوح على غياب التفاصيل الحية والإحساس المباشر بالبيئة.

مأزق البناء السردي: من التكثيف القصير إلى التضخم الدرامي
حين قدمت ميرغني تجربتها القصيرة «الست»، شكّل الصمت والتكثيف قوة دافعة لرصد صراع الأجيال داخل بيئة زراعية مغلقة. غير أن محاولة مطّ هذه البذرة لتستوعب شريطاً سينمائياً طويلاً في فيلم ملكة القطن أدت إلى انهيار ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الشكل». نتابع المراهقة «نفيسة» القابعة تحت سلطة جدتها، لتصطدم فجأة بـ«نادر»، الشاب القادم من الخارج بمشروع رأسمالي يهدف إلى السيطرة على مقدرات القرية من خلال بذور معدلة وراثياً. ورغم أن الواجهة توحي بصراع عميق بين الأصالة والتحديث، إلا أن التناول جاء مسطحاً؛ فالأزمة لم تتولد من تفاعلات عضوية بين الشخوص، بل فُرضت من الخارج. النتيجة أن النص تحوّل إلى منصة مزدحمة لتمرير خطابات جاهزة حول النسوية ورفض الهيمنة، متجاهلاً أسس التطور المنطقي والدوافع النفسية لأبطاله، وفاشلاً في تحويل القضايا إلى صراع درامي داخلي ينبع من الشخصيات ذاتها؛ ليصبح هذا الحشد المفتعل للشعارات ليس غنىً درامياً، بل هو عجز واضح عن الاختيار.

وعلى النقيض من هذا التخبط، تتجلى براعة البناء العضوي في تجارب سينمائية عالمية تناولت تيمة تغول رأس المال الأجنبي على المجتمعات الريفية، كما نرى في فيلم «باكوراو» (Bacurau) ذي الإنتاج البرازيلي الفرنسي المشترك. والمفارقة هنا أن «باكوراو»، رغم اعتماده على تمويل وشراكة أوروبية، حافظ على استقلاليته الفنية؛ حيث نبع الصراع الدرامي من صميم التشبث بالأرض، وتطور بهدوء عبر تفاعلات نفسية حقيقية تعكس النبض الأصيل للبيئة، دون افتعال أزمات خارجية. في «باكوراو»، تذوب القضايا الكبرى داخل نسيج الشخصيات، بينما في فيلم ملكة القطن Cotton Queen، تم تسطيح الشخوص وتجريدهم من حيويتهم ليتحولوا إلى مجرد أدوات سردية تردد خطابات مباشرة، على حساب العمق الإنساني والصدق الدرامي.

هيمنة التمويل الدولي: تساؤلات حول شروط الرؤية
لا يمكن تفكيك هذا الخلل الدرامي في فيلم ملكة القطن (Cotton Queen) دون الوقوف أمام خارطة الإنتاج والتمويل شديدة التشابك التي أحاطت بالمشروع. نحن بصدد هيكل إنتاجي يجمع عدة دول، تقوده كيانات أوروبية بارزة مثل شركة «سترينج بيرد» (Strange Bird) الألمانية، و«مانيكي فيلمز» (Maneki Films) الفرنسية، وشبكة التلفزيون الألماني الفرنسي (ZDF/ARTE)، مع مظلة واسعة من الصناديق كصندوق هوبير بالس التابع لمهرجان روتردام، وجائزة «أرتي كينو» من سوق كان، إلى جانب منح آفاق والدوحة وصندوق البحر الأحمر، وتواجد مصري إنتاجي وتوزيعي متمثل في «فيلم كلينك» و«ماد سوليوشنز» التي توجت هذا المسار بمنح المشروع، إبان مرحلة التطوير، جائزتها البالغة قيمتها 50 ألف دولار والمخصصة حصرياً للتسويق والتوزيع ضمن منصة ملتقى القاهرة السينمائي.
هذا التحالف التمويلي العابر للحدود يطرح تساؤلاً نقدياً مشروعاً حول مدى تأثير توجهات الصناديق والمعامل الدولية على الاختيارات السردية والبصرية. هل بات تفضيل حكايات تتقاطع مع التوقعات المسبقة عن القارة الأفريقية — الاستغلال، التهميش، مقاومة الاستعمار الجديد — هو المسار الأكثر ضماناً للعبور إلى المنصات الكبرى؟ وأمام هذه الخريطة التمويلية، أين موقع التجارب التي تنحاز لواقعها المحلي وصدقها الفني من هذه المنح؟ وهل بات الدعم المؤسسي في بعض الحالات يرتبط بمسارات درامية تتوافق مع صور مألوفة عن الجنوب العالمي؟
وأمام هذه الهيكلة التمويلية المُعولمة، يُطرح تساؤل نقدي حتمي: أين تقع مساحة المخرجين السودانيين المستقلين الحقيقيين، أولئك المتمسكين بصدقهم الفني وواقعهم العضوي بعيداً عن فخ الاستشراق المحدث، من خريطة هذا السخاء المؤسسي؟ وهل أضحت المنح الدولية مرتبطة ضمناً باستنساخ قوالب درامية معلبة تُسطح الثقافة المحلية وتطوعها لتتلاءم مع ذائقة المانح؟

الاغتراب البصري: جمالية اللمعان وتحييد القسوة
على المستوى البصري والإخراجي، يعاني فيلم ملكة القطن من انفصال واضح بين الرؤية الجمالية وطبيعة البيئة التي يناقشها. حاولت الإدارة الفنية التغطية على هشاشة السيناريو باللجوء إلى تيمة «الواقعية السحرية»، وهو رهان يتطلب دمجاً سلساً بين الأسطوري والمعيش، لكنه هنا بدا مقحماً ومجرد حلية بصرية لا تسهم في تصعيد الصراع النفسي. الإتقان التقني لمديرة التصوير فريدا مرزوق جاء بنتيجة عكسية؛ إذ حوّل المشهد إلى سلسلة من البطاقات البريدية اللامعة، المصممة لدغدغة الذائقة البصرية الغربية. هذا الخيار جرد بيئة زراعة القطن من خشونتها الحقيقية وواقعها المرير، ليُحيل الفضاء المكاني إلى خلفية مسرحية معقمة تخلو من روح المعاناة التي يدعي النص تبنيها. الجمالية هنا لا تعمق الخطاب، بل تحيّده وتجمّله.

القولبة الأدائية: شخصيات وظيفية بلا منحنى نفسي
انعكس هذا التخبط الدرامي في فيلم ملكة القطن Cotton Queen بالضرورة على الأداء التمثيلي. الممثلة الشابة مهاد مرتضى (نفيسة) بقيت أسيرة أحادية الأداء في مشاهد عدة بسبب غياب المنحنيات النفسية المتدرجة في النص. وبالمثل، تقلصت مساحة الجدة «الست» (رابحة محمد محمود) لتصبح مجرد كيان رمزي يلقي عبارات جاهزة عن الإرث الاستعماري دون اشتباك حيوي مع محيطها. وتبلغ السطحية الدرامية مداها في رسم شخصية «نادر» (حسن كسلا)، الذي جاء أقرب إلى النموذج النمطي للرأسمالي الخارجي، فاقداً لأي تركيب إنساني أو دافع مقنع. المحصلة الأدائية الجماعية تبدو في جوهرها ترديداً لخطابات مسطحة، بعيدة عن متطلبات السينما التي تحفز التأمل ولا تكتفي بتلقين الرسائل. ويمتد هذا الاغتراب الفني إلى الشريط الصوتي؛ إذ جاءت الموسيقى التصويرية بتوقيع الملحن التونسي أمين بوحافة مُفرغة من أي ارتباط عضوي بالجغرافيا السودانية، لتبدو كقوالب لحنية جاهزة تفتقر لخصوصية المكان وتراثه السمعي، في تكرار لنفس النهج المنفصل عن البيئة الذي قدمه مسبقاً في فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران».
فيلم ملكة القطن Cotton Queen يتعثر تحت وطأة التكدس السردي والمباشرة الخطابية. العمل يكشف عن التوتر المستمر بين رغبة في تقديم سينما ملتزمة، وبين معايير الإنتاج الدولي التي تدفع في كثير من الأحيان نحو صياغات مألوفة ومضمونة التلقي في المهرجانات. النتيجة فيلم يثير النقاش، لكنه يظل أقرب إلى خطاب مُعلَن منه إلى تجربة سينمائية مكتملة النضج الدرامي والبصري.


