Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » أسبوع أفلام البستان.. “أحلام المدينة” لمحمد ملص يفتتح حوار السينما والذاكرة

أسبوع أفلام البستان.. “أحلام المدينة” لمحمد ملص يفتتح حوار السينما والذاكرة

"أحلام المدينة" - الفيلم الذي افتتحت به فريدريكا بيريا كلمتها في أسبوع أفلام البستان.

بلاك كات 24 : القاهرة — مع عرض التحفة السينمائية السورية “أحلام المدينة”، وبحضور جماهيري غفير، أُسدل الستار مساء اليوم، الثلاثاء، عن افتتاح النسخة الأولى من “أسبوع أفلام البستان”. وفي مقره بقلب القاهرة، احتضن معهد جوته انطلاق فعاليات الحدث الثقافي الذي يُقام في الفترة من 23 إلى 27 سبتمبر الجاري، في أجواء مفعمة بالشغف الفني، واعدًا بأن يكون نافذة استثنائية على قصص وأحلام تمتد من قرى سوريا ومدن ألمانيا لتلتقي في حوار إنساني فريد.

فريدريكا بيريا تتحدث عن أهمية فيلم "أحلام المدينة" في ليلة افتتاحه بمعهد جوته.

رؤية جديدة ومنصة للحوار

في كلمتها الافتتاحية، أكدت السيدة فريدريكا بيريا، مديرة قسم البرامج الثقافية المشرفة على إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد جوته، أن هذا الأسبوع يمثل “الصيغة السينمائية الجديدة والمبتكرة للمعهد”. وأوضحت أن “أسبوع أفلام البستان” ليس مجرد مهرجان لعرض الأفلام، بل هو منصة للحوار الفني، وهو ما يتجلى في التعاون المثمر مع شركاء بارزين مثل “سيماتيك – مركز الفيلم البديل” بالقاهرة و”أرسنال – معهد الفيلم وفن الفيديو” ببرلين. تحت شعار “أحلام القرية والمدينة”، يسعى المهرجان إلى استكشاف التجارب الإنسانية المشتركة والمتغيرة بين الحياتين الريفية والحضرية عبر عدسات سينمائيين من ثقافات متنوعة، مما يُعد تجسيدًا لأحلام المدينة في تلاقي الحضارات.

رحلة سينمائية غنية: من “ملص” إلى السينما السودانية والألمانية

كان اختيار فيلم الافتتاح موفقًا بشكل لافت؛ حيث أعاد فيلم “أحلام المدينة” (١٩٨٤) الجمهور إلى حقبة مفصلية في تاريخ سوريا عبر عيون الطفل “ديب”. ويُعد هذا العمل، الحائز على جائزة التانيت الذهبي بقرطاج، علامة فارقة دشّنت مرحلة “سينما المؤلف” في سوريا، وهو يعكس جانبًا من السيرة الذاتية لمخرجه الكبير محمد ملص. وملص، المولود في القنيطرة عام ١٩٤٥، هو أحد رواد السينما السورية، درس في موسكو، وأخرج أفلامًا حازت على تقدير دولي هائل مثل “الليل” (١٩٩٢) و”سلم إلى دمشق” (٢٠١٣)، ليصبح صوته السينمائي رمزًا للرؤى العميقة والمغايرة، مما يجعل أحلام المدينة جزءًا لا يتجزأ من ثقافته السينمائية.

مشهد من فيلم "أحلام المدينة" يظهر فيه بطل الفيلم وهو ينظر إلى صورة قديمة.

سينمائيًا، يتجاوز “أحلام المدينة” كونه مجرد سرد قصصي ليصبح غوصًا عميقًا في نسيج الذاكرة الشخصية والجماعية. متأثرًا بدراسته في موسكو، يستخدم ملص لغة بصرية شاعرية، حيث يجعل من كاميراه عين الطفل “ديب” ذاتها. فالعالم لا يُرى بموضوعية، بل يُعاش ويُحَس من خلال وجدان طفل تتشكل رؤيته للعالم بالتوازي مع التحولات السياسية الكبرى. هنا تكمن عبقرية الفيلم؛ فهو لا يؤرخ للأحداث، بل يصور أثرها الحميمي على مصائر الأفراد. دمشق ليست مجرد مكان، بل هي شخصية حية، ساحرة وقاسية في آن واحد، تتحول أحلامها إلى كوابيس. بهذا العمل، أسس ملص لسينما سورية جديدة، سينما ذاتية تتخذ من الذاكرة مادة خام لإعادة قراءة التاريخ، حيث تبرز أحلام المدينة كجزء من الهوية الثقافية.

وعلى مدار أيامه الخمسة، يقدم المهرجان برنامجًا ثريًا ومتنوعًا يضم كنوزًا سينمائية من عدة دول:

من السودان: تحضر “مجموعة الفيلم السوداني” بعملين، هما “المحطة” و”رحلة صيد”، ليسلطا الضوء على قصة صمود هذه المجموعة الفنية المستقلة التي واجهت تحديات سياسية كبرى.

من ألمانيا: تُعرض أفلام مثل “امرأة مرنة” الذي يناقش قضايا نسوية بأسلوب كوميدي قاسٍ، وفيلم “بعيد جدًا” الذي يروي قصة صداقة مؤثرة وليدة تجربة التهجير.

من لبنان ومصر: تتجلى رؤى سينمائية متنوعة في أفلام مثل “طيور أيلول” الذي يرسم لوحة لبيروت من داخل “فان”، والفيلم المصري التجريبي “أوضة الفيران” الذي يجسد روح الإسكندرية.

من فلسطين: يأتي الفيلم الجامع “قصص غير محكية من غزة من المسافة صفر” كشهادة فنية حية ونسيج سينمائي واقعي يظهر كيف ينجو الفن في ظل الحرب. أحلام المدينة تلوح هنا كنموذج يمزج بين الواقع والخيال.

لوحة إعلانية لندوة "نماذج الإنتاج المشترك" في أسبوع أفلام البستان، تضم الضيوف فريدر شلايش وأيتن أمين.

أبعد من الشاشة: لقاءات وورش عمل

لا تقتصر أهمية المهرجان على العروض، بل تمتد لتشمل سلسلة من النقاشات وورش العمل التي تهدف إلى تعميق الفهم وتطوير الصناعة. حيث تُعقد حلقات نقاشية حول “نماذج الإنتاج المشترك” بين مصر وألمانيا، والتحديات التي تواجه “التراث السينمائي العربي اليوم”. كما يمثل الـ “ماستر كلاس” الذي سيقدمه المنتج والمخرج الألماني البارز فريدر شلايش فرصة لا تعوض لصناع الأفلام والمهتمين بالصناعة للاستفادة من خبراته الواسعة.

مع انقضاء يومه الأول، يفتح “أسبوع أفلام البستان” أبوابه على مدار الأيام الأربعة القادمة، بدعوة مجانية ومفتوحة لكل عشاق السينما في القاهرة، ليقدم لهم تجربة فكرية وبصرية لا تُنسى، ويؤكد من جديد على دور الفن في بناء الجسور وتلاقي العوالم في حضن أحلام المدينة.