الرئيسية » المخرج نبيل الشاذلي: مرثية الوفاء لرفيق الدرب وصانع الحكايات الخالدة

المخرج نبيل الشاذلي: مرثية الوفاء لرفيق الدرب وصانع الحكايات الخالدة

صورة مقربة بالأبيض والأسود للمخرج نبيل الشاذلي في استوديو داخلي

مسيرة إبداع المخرج نبيل الشاذلي في عالم التوثيق السينمائي

بلاك كات 24 : القاهرة _فقدت السينما المصرية وفقدت الإنسانية معاً قامة استثنائية، برحيل صانع الحكايات الذي نسج من الصبر والوفاء أجمل لوحاته الفنية. إن تأمل مسيرة المخرج نبيل الشاذلي يضعنا أمام حالة فريدة من النضج الفني والتفاني المطلق؛ حيث تتوارى الذات لصالح العمل، وتتجلى أسمى آيات الإخلاص في عدسة تلتقط نبض الحياة، لا سيما حين ترتبط بصداقات تمتد لعقود. هذا الالتزام النبيل يعكس فلسفة خاصة في التعامل مع الفن السابع، ليس بوصفه أداة للترفيه، بل كذاكرة حية تحفظ تاريخ الأفراد والأوطان، وتوثق المشاعر الإنسانية العميقة في أنقى صورها. غيابه اليوم يترك فراغاً موحشاً في المشهد الثقافي، ويطوي صفحة من صفحات العطاء الصامت الذي أثرى الشاشة الفضية بحكايات حفرت عميقاً في وجدان المشاهدين، وأعادت صياغة مفهوم التوثيق البصري الممتزج بصدق المشاعر.

المخرج نبيل الشاذلي برفقة المخرج يوسف شاهين في موقع تصوير خارجي

مسيرة المخرج نبيل الشاذلي: من عوالم كندا إلى قلب السينما العالمية والمصرية

بدأت حكاية هذا المبدع مع الفن السابع متأخرة زمنياً ولكنها كانت عميقة الأثر وجذرية في تفاصيلها. فبعد حياة مهنية حافلة بالنجاحات في مجالات الاستثمار والتمويل في كندا، وتجربة غنية في قطاع السياحة في مصر، قرر المخرج نبيل الشاذلي في عام ١٩٩٠ أن يقتحم عالم السينما من بوابته الواسعة، مدفوعاً بشغف حقيقي للصورة والقصة. انضم إلى شركة أفلام مصر العالمية، ليصبح منتجاً منفذاً للعديد من الأعمال الأجنبية والمحلية الضخمة التي تم تصويرها على الأراضي المصرية. خلال هذه المرحلة المحورية، شارك في مشاريع هامة جنباً إلى جنب مع قامات سينمائية عالمية ومصرية، أمثال يوسف شاهين، وسبايك لي، ومايكل هانيكي، وميشيل غافراس، ولوك بيسون، ورضوان الكاشف. هذا التنوع الثقافي واحتكاكه بمدارس إخراجية متباينة، منحه رؤية بصرية وحسية متفردة، جعلته قادراً على تلمس مواطن الجمال ودعم الأعمال التي ترتقي بقيمة الفن. ورغم أنه عاش طويلاً خلف الكاميرا، إلا أنه ظهر بصورة عفوية ودافئة في فيلم “العودة” الذي أخرجته ابنته سارة الشاذلي، ليوثق لحظات عائلية حميمة وصادقة خلال فترة العزل المنزلي للوباء العالمي.

ملصق فيلم العودة للمخرجة سارة الشاذلي يظهر شخصين على شاطئ البحر

تجسيد الوفاء في تحفة المخرج نبيل الشاذلي الوثائقية تمساح النيل

إذا أردنا أن نلخص معنى الإخلاص في عمل فني، فلن نجد أدق من فيلم “تمساح النيل”. لقد قطع المخرج نبيل الشاذلي عهداً على نفسه، أمام سرير صديقه القديم السباح العالمي عبد اللطيف أبو هيف في المستشفى، بأن ينجز هذا الفيلم ليخرج إلى النور. استغرقت هذه الرحلة الشاقة ما يقرب من ثلاثين عاماً، واجه خلالها تحديات إنتاجية هائلة، من ندرة المواد الأرشيفية وارتفاع تكلفة الحصول عليها، إلى البحث المضني عن شرائط قياس ٨ ملم في قبو منزل البطل بمساعدة نجله ناصر. لم يستسلم أبداً، بل سخر كل إمكانياته، مستعيناً حتى بكاميرا المخرج الراحل يوسف شاهين الشخصية لتصوير اللقطات بمساندة المنتج جابي خوري.

الفائز بجائزة أفضل فيلم تسجيلي على خشبة مسرح المهرجان القومي للسينما المصرية يبتسم حاملاً جائزته عن عمله الوثائقي


لم يكن هذا العمل مجرد توثيق لمسيرة سباح القرن، بل كان رسالة حب عميقة من المخرج نبيل الشاذلي، ونظرة حميمية بعيون صديق مخلص ترصد تغيرات المشهد السياسي والاجتماعي في مصر. وقد لخصت المنتجة ماريان خوري هذه الرحلة بقولها إن ولادة الفيلم كانت متعسرة جداً وامتدت لنحو عشرين عاماً، لكن هذا المخاض الطويل منحه بعداً إنسانياً وتاريخياً مختلفاً لامس قلوب كل من شاهده. تُوج هذا الجهد المخلص بحصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي في المهرجان القومي للسينما المصرية عام ٢٠٢٢، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، محققاً نجاحاً جماهيرياً كبيراً ومقدماً البطل الأسطوري لأجيال جديدة.

المنتجة ماريان خوري بجوار رفيق دربها يتحدثان على خشبة المسرح

وداع المخرج نبيل الشاذلي: رسالة
ماريان خوري الأخيرة وتفاصيل الجنازة

في لحظة مفعمة بالشجن والألم، أعلنت المنتجة ماريان خوري، رفيقة دربه وشريكة حياته، خبر الرحيل بكلمات تقطر حزناً وتفيض بالمحبة، قائلة: “ورحل رفيق دربي، زوجي وأب أولادي نبيل الشاذلي.. Goodbye to my companion, husband, father of my children, Nabil Shazli”. تقام صلاة الجنازة لتوديع المخرج نبيل الشاذلي اليوم الجمعة، الموافق ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦، في تمام الساعة ١٢:٥٦ بمسجد عمر مكرم، على أن يوارى جثمانه الثرى بمقابر العائلة في مقابر دهشور، ليرحل الصديق المخلص والأب المحب، تاركاً خلفه إرثاً سينمائياً وإنسانياً لا يُنسى، ودرساً بليغاً في معنى الصداقة والوعد الصادق.