Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » يوهان فولفغانغ فون غوته: كيف نقشت لايبزيغ روحها الشابة في قلب عملاق الأدب الألماني

يوهان فولفغانغ فون غوته: كيف نقشت لايبزيغ روحها الشابة في قلب عملاق الأدب الألماني

تمثال الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته يتوسط أحد ميادين مدينة لايبزيغ، شاهداً على سنوات شبابه الأولى في المدينة.

بلاك كات 24 : لايبزيغ ، ألمانيا

في خريف عام 1765، وطأت قدما شاب يافع بالكاد بلغ السادسة عشرة من عمره أرض مدينة لايبزيغ. لم يكن مجرد طالب قادم، مرسلًا من والده الصارم لدراسة القانون، بل كان يحمل في عينيه بريق الفضول وفي قلبه شغفًا متقدًا بالشعر والفن والحياة، يتوق للتحرر من قيود مدينته فرانكفورت الأكثر تحفظًا. كان هذا الشاب هو يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832)، الذي لم يكن يعلم حينها عن تأثير لايبزيغ على غوته أن هذه المدينة النابضة، بثرائها الثقافي والتجاري آنذاك، لن تكون مجرد محطة عابرة في شبابه، بل ستكون البيئة التي ستصقل موهبته وتنقش بصماتها الأولى على روحه العبقرية. لايبزيغ لم تكن لغوته مجرد جامعة، بل كانت مدرسة الحياة بأكملها، مختبرًا لتجاربه الأولى في الحب والألم، والشعر والرسم، والإبداع بكل أشكاله. شوارعها المرصوفة بالحصى، وأنغام حاناتها، وروحها الشابة، كانت كالنهر الذي يروي شجرة الإلهام؛ فهل كان لعملاق كغوته أن يجد مهداً لرحلته أرحب من لايبزيغ؟

مدخل حديث لجامعة لايبزيغ (Universität Leipzig)، حيث درس غوته القانون.

لايبزيغ.. مسرح الشباب الأول ومختبر الإلهام

وجد غوته الشاب فيه تأثير لايبزيغ عالمًا متحررًا ومغريًا، مختلفًا تمامًا عن بيئته الأصلية. سرعان ما شعر بالنفور من دراسة القانون الجافة والرسمية في جامعة لايبزيغ العريقة. وبدلاً من الانكباب على كتب التشريع، كانت روحه تهفو إلى آفاق أرحب. وجد ضالته في محاضرات الشعر والأدب التي كان يقدمها الشاعر والأخلاقي المحبوب كريستيان فورشتيغوت غيلرت، وفي دروس الرسم والنحت على يد آدم فريدريش أويزر، مدير أكاديمية الفنون في لايبزيغ، الذي فتح عينيه على جماليات الفن الكلاسيكي وشجعه على التعبير البصري. لكن تعليمه الحقيقي كان يتم في شوارع المدينة وحياتها الاجتماعية النابضة.

منظر لمبانٍ تاريخية وكنيسة حديثة في مدينة لايبزيغ مع خطوط الترام في السماء.

كانت لايبزيغ آنذاك مركزًا تجاريًا وثقافيًا مزدهرًا، ملتقى للأفكار والتيارات المختلفة القادمة من كل أوروبا. أصبح قبو “أورباخ كيلر” (Auerbachs Keller)، بزخارفه التاريخية ومشاهده الأسطورية عن صفقة فاوست مع الشيطان التي خلدها لاحقًا في رائعته “فاوست”، مسرحه الاجتماعي الأول. هناك، بين دخان الغليون وضجيج الأحاديث، احتسى النبيذ، وتبادل النقاشات الحادة مع أقرانه، وشاهد الحياة تدبّ في أزقة المدينة، مستلهمًا شخصيات وقصصًا ستظهر لاحقًا في أعماله. في هذه الأجواء المفعمة بالحيوية، التقى بحبه الأول الملتهب، أنيته (كيثشن) شونكوبف، ابنة صاحب النزل الذي كان يرتاده. هذه العلاقة العاصفة، بكل ما حملته من شغف وغيرة وشك وألم الفراق لاحقًا بعد ثلاث سنوات، لم تكسره، بل فجرت ينابيع الشعر في أعماقه. أثمرت عن ديوانه الأول “دفتر أغاني أنيته” وقصائد “دفتر أغاني لايبزيغ” (Leipziger Liederbuch)، وهي أعمال حملت بذور أسلوبه الرومانسي المتفرد، وخلدت اسم حبيبته الشابة. لقد علمته لايبزيغ أن الحب والألم هما وقود الإبداع، وأن الحياة بتجاربها الحقيقية هي المعلم الأعظم.

تمثال تاريخي لشخصية غوته يقف على قاعدة مزخرفة أمام مبنى.

أصداء لايبزيغ في روائع غوته.. وجسر نحو الشرق

لم تغادر لايبزيغ روح غوته بعد أن غادرها جسديًا بشكل مفاجئ في صيف عام 1768، عائدًا إلى فرانكفورت بعد إصابته بمرض خطير (يُرجح أنه نزيف حاد بسبب السل). تأثير لايبزيغ على غوته ظل أصداء تلك السنوات الثلاث، بكل ما فيها من تجارب فكرية وعاطفية، تتردد في أعماله الكبرى التي غيرت وجه الأدب العالمي. ففي روايته الشهيرة “آلام الشاب فرتر” (Die Leiden des jungen Werthers – 1774)، التي هزت أوروبا وأشعلت موجة من العاطفة الجياشة المعروفة بـ “حمى فرتر”، يمكننا أن نلمس ظلال تجربة حبه الأول المؤلمة، ذلك الصراع الداخلي بين الرغبة والواقع الذي كاد يعصف بروحه في لايبزيغ. أما ملحمته الشعرية الأعظم، “فاوست” (Faust)، التي استغرقت عقودًا من حياته وصدر جزؤها الأول عام 1808، فتعود بجذورها الأولى إلى تلك الأساطير الشعبية التي سمعها في لايبزيغ، وإلى ذلك النقاش الفلسفي الذي دار في قبو أورباخ. شخصية فاوست، المتعطشة للمعرفة المطلقة والمستعدة لعقد صفقة مع الشيطان، هي انعكاس لجوع غوته الفكري الذي تفتح في لايبزيغ، ورغبته في سبر أغوار الوجود البشري بكل تناقضاته، صراعه بين الروح والمادة، بين الخير والشر. لكن عبقرية غوته لم تتوقف عند حدود الثقافة الأوروبية. ففي مرحلة لاحقة من حياته، وبعد أن أصبح مستشارًا مرموقًا ووزيرًا في فايمار، اتجه ببصيرته نحو الشرق، مفتونًا بسحر الشعر الفارسي، وخاصة بأشعار حافظ الشيرازي في القرن الرابع عشر. أثمر هذا العشق عن ديوانه الفريد “الديوان الغربي الشرقي” (West–östlicher Divan – 1819)، الذي يُعد جسرًا أدبيًا وفلسفيًا رائعًا بين ثقافتين وحضارتين. في هذا العمل، لم يكتفِ غوته بمحاكاة أسلوب الشعر الشرقي، بل دخل في حوار عميق مع روحه، باحثًا عن المشترك الإنساني الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية. هذه الروح المنفتحة على الآخر، وهذا السعي نحو فهم أعمق للإنسانية جمعاء، ربما تكون بذورها قد زُرعت أيضًا في مدينة لايبزيغ، تلك المدينة التجارية التي كانت بطبيعتها ملتقى للشعوب والثقافات.

شعار معهد جوته الألماني

إرث يتجدد: معهد غوته.. سفير الثقافة الألمانية

بعد أكثر من قرن على رحيل غوته عام 1832، وفي خضم سعي ألمانيا لإعادة بناء جسورها مع العالم بعد الحرب العالمية الثانية، تأسس “معهد غوته” (Goethe-Institut) عام 1951. لم يكن اختيار اسم غوته لهذا المعهد مجرد صدفة، بل كان تكريمًا مستحقًا للرجل الذي يُعتبر الرمز الأسمى للثقافة الألمانية، ولغتها، وروحها الإنسانية المنفتحة على العالم. تأثير لايبزيغ على غوته لا يزال يُذكر، فهو لم يكن مجرد شاعر أو كاتب مسرحي، بل كان مفكرًا، وعالمًا طبيعيًا، ورجل دولة، يمثل النموذج الأمثل للمثقف الموسوعي الذي يسعى للمعرفة والحوار، والذي تجاوزت أعماله حدود ألمانيا لتصبح جزءًا لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي. بانتشاره اليوم في أكثر من 90 دولة حول العالم، أصبح معهد غوته تجسيدًا حيًا لروح غوته العالمية وإيمانه بقوة الحوار بين الحضارات. ففي كل قاعة درس للمعهد، وفي كل فعالية ثقافية ينظمها، يتردد صدى اسم غوته، وتستمر رؤيته الإنسانية الشاملة في إلهام الأجيال الجديدة، تمامًا كما ألهمته شوارع لايبزيغ وحاناتها وقصص حبها الأولى قبل قرون.

لوحة إعلانية حمراء كبيرة لمهرجان DOK Leipzig مثبتة على شاحنة في شارع بمدينة لايبزيغ.

لايبزيغ.. مدينة تحتضن الخلود

اليوم، ونحن هنا “موقع بلاك كات 24″، نتجول في شوارع لايبزيغ العريقة بالتزامن مع فعاليات مهرجان DOK Leipzig، لا يسعنا إلا أن نشعر بأنفاس التاريخ وصدى العبقرية يتردد في كل زاوية. إنها ليست مجرد جغرافيا وحجارة، بل فضاء نابض بأرواح العظماء الذين مروا من هنا، وعلى رأسهم غوته الذي ترك جزءًا من روحه الشابة بين أزقتها. تأثير لايبزيغ على غوته لا يزال حيًا، نلمسه في الأجواء الثقافية، وفي روح المدينة التي تدعوك لتسمع همس الماضي وتستلهم منه. إنها دعوة مفتوحة لنا جميعًا، ولكم أنتم قراءنا، لنكتب فصولنا الخاصة، ونمد جسورنا نحو الآخر، مستلهمين من عبقرية رجل تعلم أول دروس الحياة والحب والإبداع هنا، على أرض مدينة لايبزيغ، المدينة التي نقشت روحها في قلبه إلى الأبد.