بلاك كات 24 : القاهرة _ هل يمكن لفيلم واحد أن يلقي بظلاله على مسيرة فنية لامعة؟ وهل يصمت الفنان ندمًا أم عجزًا عندما يكشف التاريخ عن حقيقة شارك يومًا في تزييفها؟ هذه أسئلة تُطرح اليوم بقوة عند تأمل مسيرة الممثلة الأمريكية ديان كيتون، الأيقونة السينمائية التي جسدت القلق والجمال العفوي، والتي يُثار التساؤل حول مدى إدراكها لحجم الاستغلال الذي تعرضت له في شبابها على يد آلة الدعاية الإسرائيلية.

وُلِدَت ديان كيتون عام 1946، لتتفتح موهبتها في السبعينيات وتصبح إحدى أبرز وجوه السينما الأمريكية. كانت شخصية “آني هول”، التي منحتها جائزة الأوسكار، تجسيدًا للذكاء والجاذبية غير المصطنعة، ورسخت صورتها كفنانة تمثل المرأة المستقلة والحائرة في عالم فوضوي. لكن في عام 1984، وفي ذروة نجوميتها، اتخذت قرارًا فنيًا أقحمها في قلب أحد أكثر الصراعات السياسية تعقيدًا في العالم، ليصبح جزءاً من تاريخ ديان كيتون الفني والسياسي على حد سواء.

في فيلم “فتاة الطبال الصغيرة” (The Little Drummer Girl)، لعبت كيتون دور ممثلة أمريكية يسارية يتم تجنيدها من قبل الموساد الإسرائيلي لاختراق خلية من صنع الموساد بحسب الفيلم، تم تصويرها كوجهٍ معادٍ لشعب أعزل غالبيته من النساء والأطفال. وما أشبه اليوم بالبارحة! فكما نشهد اليوم من مجازر وحشية تُرتكب في غزة وتُبث على الهواء مباشرة، كاشفةً عن وجه الاحتلال الحقيقي، كان الفيلم في وقته أداة لتكريس صورة نمطية زائفة. لقد استغل الموساد براءة وشهرة نجمة شابة، كانت ديان كيتون، لتقديم نفسه كجهاز “ذكي” و”إنساني”، بينما صوّر الفلسطينيين كشخصيات شريرة، تفتقر للعمق الإنساني، ومجرد أدوات في مؤامرة إرهابية.

لقد كانت كيتون، الشابة الموهوبة القادمة من عالم وودي آلن، الأداة المثالية لتمرير هذه الرسالة. ففي منظومة هوليوود التي غالبًا ما تخدم أجندات السياسة الخارجية الأمريكية، تم استخدام صورتها كفنانة ليبرالية لإضفاء مصداقية على رواية كانت في جوهرها دعاية سياسية بحتة. لقد وقعت ضحية لتحالف أمريكي-إسرائيلي استغل الفن لتلميع صورة الموساد وتجريد القضية الفلسطينية من إنسانيتها. فهل كانت تدرك ديان كيتون أنها ساذجة؟ أم أنها ببساطة لم تكن تدرك أنها مجرد أداة في آلة حرب تهدف لتشويه نضال شعب بأكمله؟

وهنا يبرز التناقض الصارخ مع نماذج فنية لاحقة، تمثلها أنجلينا جولي، التي تمثل جيلًا أكثر وعيًا بمسؤوليته. ففي حين سقطت كيتون في فخ الاستغلال الأمريكي، اختارت جولي بوعي أن تستخدم منصتها لتكون صوتًا للإنسان، لا أداة في يد الأنظمة. لقد رفضت أن تكون مجرد وجه جميل في خدمة الدعاية، واستثمرت شهرتها في العمل الإنساني، وأدانت بوضوح قصف المدنيين في غزة، واصفة إياها بـ”السجن المفتوح”. إن موقف جولي يثبت أن الفنان يستطيع أن يختار، وأن الصمت أو المشاركة في التضليل ليسا الخيارين الوحيدين المتاحين.

بعد أربعة عقود، وفي ظل الإبادة الجماعية التي يشهدها العالم في فلسطين، تبدو تصريحات كيتون القديمة والمراوغة أكثر دلالة. عندما سُئلت عن حياتها ومسيرتها، اكتفت بالقول: “الحياة غريبة جدًا”. ديان كيتون اليوم، وكأنها تقول: “كم هو غريب أن أرى اليوم الحقيقة التي كنت جزءًا من إخفائها”. ربما أدركت متأخرة أن الدور الذي اعتبرته تحديًا فنيًا كان في الحقيقة وصمة في سجلها الإنساني، وأن “الأشرار” الذين ساعدت في تصويرهم هم في الواقع ضحايا يقاتلون من أجل وجودهم، ليصبح الدور جزءاً لا يتجزأ من إرث كيتون المعقد.

إن رحيل ديان كيتون في أكتوبر 2025 لم يغلق صفحة فنانة عظيمة فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه لأسئلة مؤلمة حول مسؤولية الفنان، وخاصة ديان التي باتت جزءاً من التاريخ الفني والسياسي. لم تعد “آني هول” مجرد أيقونة سينمائية، بل أصبحت تذكيرًا دائمًا بأن الفن ليس بريئًا أبدًا، وأن رقصة واحدة مع الشيطان قد تترك ظلالًا لا تُمحى، حتى لو جاء الندم متأخرًا وصامتًا.


