بلاك كات 24 : القاهرة _ على محور النيل والراين، ليست كل الأحداث السياسية مجرد حراك في ردهات الدبلوماسية، فبعضها يرتقي ليصبح علامة فارقة في مسيرة الوعي الإنساني. وانتخاب الدكتور خالد العناني، العالم المصري القادم من قلب التاريخ، مديرًا عامًا لمنظمة اليونسكو، هو من تلك اللحظات النادرة التي تتجسد فيها روح الثقافة وتنتصر فيها قيمتها كقوة جامعة للشعوب. إلا أن ما يمنح هذا المشهد عمقه الأسمى، هو ذلك الصدى النبيل الذي تردد من ألمانيا، ليؤكد أن حوار الحضارات ليس مجرد شعار، بل هو قناعة راسخة وممارسة حية على محور النيل والراين.

إن التهنئة التي صدرت عن السفارة الألمانية بالقاهرة، والتي وصفت دعمها لترشيح العناني بأنه نابعٌ من “كل قناعة”، تتجاوز حدود اللباقة الدبلوماسية لتلامس جوهر العلاقة الفكرية العميقة التي تربط بين مصر وألمانيا. إنها علاقة لم تُنسج بخيوط المصالح العابرة، بل حيكت على نول الشغف المشترك بالتاريخ، والاحترام المتبادل للإرث الإنساني. فهذا الجسر الممتد بين ضفتي المتوسط لم يكن يوماً معبراً للتجارة فحسب، بل كان شرياناً حيوياً للأفكار ومنصة للرؤى. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تستلهم من حكمة الشرق، كانت مصر تفتح أبوابها للعقل الألماني المنهجي، فتتحرك الثقافات بشكل متزن على محور النيل والراين. إنها قصة من الإلهام المتبادل، كُتبت فصولها على أوراق البردي وفي قاعات البحث، لتثمر عن فهم مشترك لمعنى الوجود الإنساني وقيمة الإرث الذي يتركه. من علماء الآثار الألمان الذين أمضوا أعمارهم يفككون طلاسم البرديات في صعيد مصر بحب وشغف، إلى العقول المصرية التي وجدت في الفلسفة والموسيقى والفكر الألماني معينًا لا ينضب، تشكلت وشائج فريدة من نوعها على محور النيل والراين. هي علاقة تقدّر فيها ألمانيا مصر ليس فقط كدولة، بل كحضارة أمّ، وترى فيها مصر ألمانيا ليس فقط كقوة صناعية، بل كمنارة للفكر والفن.

ويتجسد هذا الدعم الألماني الراسخ، وهذا التقدير العميق للثقافة، في شخصية محورية تعمل بشغف على أرض الكنانة، وهو سعادة السفير الألماني بالقاهرة، السيد يورجن شولتس. فهو ليس مجرد دبلوماسي رفيع يمثل بلاده، بل هو رجل دولة يمتزج في شخصيته العمق السياسي بالذوق الفني الرفيع؛ فاهتماماته التي تتنوع بين الموسيقى الكلاسيكية والأدب المعاصر، تجعله الأقدر على فهم نبض الحوار الثقافي بين البلدين. إن وجوده على رأس البعثة الدبلوماسية لا يقتصر على دوره الرسمي، بل يمتد ليكون جسراً حياً للتواصل، وراعياً للفكر والفن، ومهندساً حقيقياً لهذا “المحور بين النيل والراين” على أرض الواقع، حيث تتحول القناعات السياسية إلى فعاليات ثقافية ومشاريع علمية تخدم مستقبل الشعبين الصديقين.

في هذا السياق، لم يكن الدعم الألماني للدكتور العناني مجرد موقف سياسي، بل هو شهادة تقدير لرجلٍ يمثل رمزية خاصة على محور النيل والراين. فالرجل الذي قضى حياته أمينًا على ذاكرة الحجر، قارئًا لنقوش الماضي، ومدركًا أن كل قطعة أثرية هي فصل في كتاب البشرية الكبير، هو الأقدر على فهم رسالة اليونسكو المقدسة في صون تراث العالم. لقد رأت فيه ألمانيا، كما عبرت عن ذلك سفيرتها لدى اليونسكو، كيرستن بورشيل، استمرارية لهذا العهد، وثقة في قيادةٍ تدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل هي حصن الهوية ونافذة المستقبل.

ولم يقتصر هذا الصدى الإيجابي على الدوائر الدبلوماسية فحسب، بل امتد ليشمل قلب المشهد السياسي الألماني، حيث جاء صوت وزيرة الدولة بوزارة الخارجية الاتحادية، السيدة سيراب غولر، ليضيف بعدًا آخر لهذا الإجماع. فترحيبها الحار لم يكن مجرد تهنئة بروتوكولية، بل كان احتفاءً بالدلالة التاريخية لهذا الاختيار، مشيرةً بفخر إلى أنه أول مدير عام للمنظمة ينحدر من دولة عربية. والأهم من ذلك، رؤيتها المستقبلية لمنظمة “يونسكو قوية، وقريبة من الناس”، وهي كلمات تعكس فهمًا عميقًا لجوهر رسالة اليونسكو، وتؤكد أن التوافق المصري الألماني لا يقف عند حدود الماضي وتراثه، بل يتطلع بشغف مشترك إلى بناء مستقبل تكون فيه الثقافة في خدمة الإنسان أولاً وأخيراً.

واليوم، إذ يتولى عالم مصري هذا الموقع الرفيع، فإنما يفعل ذلك محمولاً على أكتاف إرث حضاري عظيم، ومسنودًا بثقة واحدة من أعرق الثقافات الأوروبية، مجسداً لهذه الشراكة المستمرة على محور النيل والراين. إن هذا التناغم بين الرؤية المصرية والتأييد الألماني يرسم ملامح مرحلة جديدة لليونسكو، مرحلة قد تكون فيها المنظمة أكثر قدرة على بناء الجسور فوق فجوات الاختلاف، وترميم ما تصدع من حوار الثقافات، وتذكير العالم بأن ما يجمعنا كبشر أعمق وأبقى مما يفرقنا.

إنها ليست مجرد بداية لعهد جديد في اليونسكو، بل هي لحظة إلهام إنساني بامتياز. هي دعوة مفتوحة لنا جميعًا، لأن نؤمن من جديد بقوة الكلمة، وقدسية التراث، وضرورة الفن والعلم كأدوات لبناء سلام عالمي حقيقي ومستدام على محور النيل والراين. فمن ضفاف النيل إلى وديان الراين، ومن معابد الكرنك إلى بوابات براندنبورغ، يرتفع صوت واحد يقول: إن مستقبل الإنسانية يكمن في قدرتها على حماية ماضيها والارتقاء بوعيها. وهذا هو التحدي، وهذه هي الرسالة.


